لم يكن أحد يتوقع أن تتحول حملة عادية لتحرير الملك العمومي بمدينة سطات إلى مشهد أقرب لأفلام “الفوضى العارمة”، بعدما وجد باشا المدينة هشام بومهراز نفسه، رفقة ثلاثة قياد وأعوان السلطة وعناصر القوات المساعدة، في مواجهة مباشرة مع شخصين معروفين بسوابق عدلية ثقيلة، حولوا شارع إقامة “سلطانة” بحي السلام إلى حلبة للسب والقذف والتهديد، وسط ذهول الساكنة.
الواقعة، حسب المعطيات المتوفرة، تعود إلى الأسبوع الماضي حين كانت السلطة المحلية تباشر حملة لتحرير الملك العمومي وفرض النظام، في إطار ما يسمى “هيبة الدولة”، غير أن العملية اصطدمت هذه المرة بمنطق آخر: “هذا الشارع لنا ومن يقترب يؤدي الثمن”. فالباشا والقياد لم يجدوا أمامهم مجرد باعة دلاح، بل أشخاصا تقول مصادر محلية إنهم راكموا سوابق في الضرب والجرح واعتراض السبيل والتهديد بواسطة أسلحة بيضاء، مع سجل طويل من بث الرعب وسط الساكنة.
المشهد سرعان ما تحول إلى حالة استنفار، بعد توجيه تهديدات خطيرة بالقتل في وجه رجال السلطة، مع وابل من السب والشتم أمام المواطنين، في صورة وصفتها فعاليات محلية بأنها “تمريغ غير مسبوق لهيبة الإدارة الترابية في الأرض”. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل عمد المعنيان بالأمر إلى الفرار على متن سيارة “بيكوب”، بعدما أحدثا حالة من الفوضى والرعب، قبل أن يصطدما بسيارة القائد، متسببين في خسائر مادية، وكأن الرسالة كانت واضحة: “لا قانون فوق قانون الفوضى”.
عناصر الأمن الوطني التابعة لولاية أمن سطات تدخلت بعد إشعارها بالواقعة، حيث تم توقيف المعنيين بالأمر بناء على محاضر اللجنة وشهادات عدد من الحاضرين، قبل وضعهما تحت تدابير الحراسة النظرية وتقديمهما أمام أنظار النيابة العامة.
غير أن الصدمة الكبرى التي نزلت على الساكنة وبعض المتتبعين “كالصاعقة”، لم تكن في الاعتداء أو التهديد، بل في قرار متابعتهما في حالة سراح مقابل كفالة مالية حددت في 3000 درهم لكل واحد. مبلغ اعتبره كثيرون “أخف من ثمن دلاحة في موسم الغلاء”، مقارنة بخطورة الأفعال المنسوبة إليهما، خصوصا وأن القضية لا تتعلق بخلاف عادي بين مواطنين، بل باعتداء وتهديد مباشر لممثلي السلطة أثناء مزاولة مهامهم.
اليوم، يتساءل الشارع السطاتي بسخرية مرة: كيف ستواصل السلطة المحلية حملات تحرير الملك العمومي بعد هذه الواقعة؟ وهل سيغامر رجال السلطة مستقبلا بالدخول في مواجهات قد تنتهي بالسب والتهديد والاصطدام، ثم “كفالة خفيفة وظل خفيف”؟ أم أن الرسالة التي التقطها المحتلون العشوائيون للملك العمومي هي أن “الدولة يمكن جرّها إلى حافة الإهانة دون تكلفة تُذكر”؟
الملف مرشح لأن يتحول إلى قضية رأي عام وطني، خاصة مع الحديث عن غضب داخل الأوساط الإدارية، وترقب لتحرك من وزارة الداخلية، في وقت ينتظر فيه الرأي العام موقفا واضحا يعيد الاعتبار لرجال السلطة الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مفتوحة مع منطق “السيبة”، وسط مدينة أنهكتها الفوضى والاحتلال العشوائي والشارع المنفلت.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل ستفتح الجهات المعنية تحقيقا شاملا في هذه النازلة التي هزت صورة السلطة المحلية بسطات؟ أم أن القضية ستمر مثل سحابة صيف، تاركة خلفها رسالة خطيرة مفادها أن هيبة الدولة أصبحت قابلة للتقسيط… بكفالة لا تتجاوز 3000 درهم؟

