أقرت الحكومة الإسبانية، يوم الثلاثاء، اعتماد المسطرة الاستعجالية لإصدار مرسوم ملكي يهدف إلى تسوية الوضعية القانونية لنحو نصف مليون مهاجر غير نظامي يقيمون داخل البلاد، في خطوة اعتُبرت تحولا بارزا في سياسة الهجرة منذ أكثر من عقدين.
وجاء هذا القرار عقب مفاوضات مطولة داخل الائتلاف الحاكم بين الحزب الاشتراكي العمالي وشريكه “بوديموس”، انتهت إلى الاتفاق على تجاوز المسار التشريعي التقليدي واللجوء إلى آلية المرسوم الملكي لتفادي عراقيل برلمانية محتملة وتسريع تنزيل الإجراء.
وربطت الوثيقة الحكومية الاستفادة من عملية التسوية بثلاثة شروط أساسية، في مقدمتها إثبات التواجد فوق التراب الإسباني قبل 31 دجنبر 2025، باعتباره التاريخ المرجعي المعتمد لدراسة الملفات.
ويتمثل الشرط الثاني في ضرورة الإدلاء بما يثبت إقامة متواصلة لا تقل عن خمسة أشهر عند تاريخ تقديم الطلب، وهو ما يعكس شروع المعنيين في بناء روابط اجتماعية أو مهنية داخل المجتمع الإسباني.
أما الشرط الثالث فيتعلق بالشق الأمني، حيث فُرض على المتقدمين تقديم سجل عدلي خالٍ من السوابق الجنحية أو الجنائية، سواء داخل إسبانيا أو في بلدانهم الأصلية، في إطار الحرص على طمأنة الرأي العام وحصر الاستفادة في الفئات المندمجة.
وفي تعليق رسمي، أكدت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي، إلما سايز، أن القرار يحمل بعدا اقتصاديا واضحا إلى جانب طابعه الإنساني، مشيرة إلى الحاجة الملحة لسد الخصاص في قطاعات الفلاحة والبناء والخدمات، وضمان توازن نظام التقاعد.
من جهتها، اعتبرت القيادية في حزب “بوديموس” ووزيرة المساواة السابقة، إيرين مونتيرو، أن الاتفاق يمثل انتصارا لحقوق المهاجرين، مؤكدة أن حزبها تمكن من الدفع بهذا الخيار رغم التحفظات السابقة داخل الأغلبية.
وأثار الإعلان الحكومي موجة انتقادات حادة من طرف المعارضة اليمينية، إذ اتهم الحزب الشعبي رئيس الوزراء بيدرو سانشيز باستعمال ملف الهجرة لصرف الانتباه عن أزمات داخلية، من بينها حادث القطار الأخير في قرطبة.
كما أعلن حزب “فوكس” عزمه الطعن في المرسوم أمام القضاء، واصفا الخطوة بأنها مغامرة سياسية قد تشجع الهجرة غير النظامية وتغذي نشاط شبكات الاتجار بالبشر.
وفي مقابل هذا التصعيد، رحبت الكنيسة الكاثوليكية بالقرار، حيث اعتبر رئيس المؤتمر الأسقفي الإسباني، لويس أرغييو، أن تسوية أوضاع المهاجرين تشكل اعترافا بكرامتهم الإنسانية وإسهامهم في المجتمع، داعيا إلى إبعاد الملف عن المزايدات الحزبية.
وتتوقع وزارة الهجرة أن تنطلق عملية تقديم الطلبات خلال الأشهر المقبلة، مرجحة أن يكون ذلك ما بين أبريل ويونيو، بعد استكمال الاستعدادات التقنية وتعبئة الموارد البشرية لمعالجة العدد الكبير من الملفات المرتقبة.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعيد إلى الواجهة تجربة التسوية الواسعة التي عرفتها البلاد سنة 2005، غير أن السياق الحالي يتسم بتعقيدات أكبر مرتبطة بالضغط الديموغرافي والحاجة إلى تنظيم سوق العمل ومحاربة الاقتصاد غير المهيكل.
ويخلص متابعون إلى أن نجاح هذا الورش سيشكل اختبارا حقيقيا لتماسك الائتلاف الحكومي وقدرته على تدبير الملفات الحساسة، في ظل استعداد المعارضة لاستثمار أي اختلال محتمل قد يرافق التنفيذ لإطلاق مواجهة سياسية واسعة.

