بقلم الدكتورة مريم آيت أحمد
مرة أخرى تضعنا كرة القدم أمام سؤال أعمق من نتيجة مباراة أو لحظة حماس عابرة: هل نريدها مساحة للفعل الحضاري المشترك أم ساحة مفتوحة لردود فعل مشحونة بالكراهية والتحريض؟ لقد برهنت التجارب الأخيرة أن الكرة، حين تُفصل عن قيمها، يمكن أن تتحول من لغة عالمية للفرح إلى أداة لتشويه الوعي وإشعال صراعات وهمية بين شعوب يفترض أن يجمعها أكثر مما يفرقها.
في هذا السياق، يبرز الدور الطلائعي الذي اضطلع به المغرب، تنظيا واستقبالا وسلوكا حضاريا، باعتباره نموذجا مشرّفا لوطن عربي إفريقي قدم نفسه أمام الرأي العام الدولي بثقة ومسؤولية. لم يكن التنظيم مجرد نجاح لوجستي أو إداري، بل كان تعبيرًا عن تاريخ طويل لشعب مضياف، يعرف كيف يحوّل الرياضة إلى جسر إنساني، وكيف يجعل من الملاعب فضاءات للترحيب لا للإقصاء، وللاحترام لا للعداء.
لقد استقبل المغرب ضيوفه بروح منفتحة، ونجح في تقديم صورة إيجابية عن المنطقة العربية والإفريقية في زمن تتسابق فيه الصور النمطية السلبية. وكان من المفترض أن يُقابل هذا النجاح بفرح عربي جامع، لأن ما تحقق لم يكن إنجازا وطنيًا ضيقا، بل تمثيلًا مشرّفا لوطن عربي إفريقي أمام العالم، ورسالة مفادها أن شعوب هذه المنطقة قادرة على التنظيم، والانضباط، والاحتفاء بالاختلاف في إطار حضاري راقٍ.
غير أن المؤسف هو انزلاق بعض الأصوات — لا تمثل بالضرورة شعوبها — إلى منطق السباب المجاني وبث الأحقاد، وكأن نجاح الآخر تهديد للذات، أو كأن الكرة معركة سياسية لا لعبة تنافسية. هذا الانحدار الخطابي لا يسيء إلى المغرب بقدر ما يسيء إلى أصحابه، لأنه يخرج هؤلاء من دائرة الفعل الحضاري الذي برهنت عليه شعوب شقيقة عديدة ، إلى دائرة رد الفعل السياسي الضيق، الذي تغذيه ولاءات إعلامية لصحافة صفراء مأزومة وحسابات سياسية حاقدة بعيدة عن حقيقة تآخي ابناء الشعوب ونصرتهم لبعض .
إن الفرق شاسع بين المنافسة الرياضية المشروعة وبين تحويلها إلى منصة لتصفية الضغائن. فحين تتحول الجماهير من صدى الملاعب إلى صدى لخطاب إعلامي مسيس، وحين تستدعى السياسة إلى ساحة المدرجات وتضرب كل بلد في البلد المنافس في المباراة ، نفقد جوهر اللعبة، ونفرغ الرياضة من معناها الإنساني القيمي. والأسوأ من ذلك أن هذا السلوك يزرع شروخا نفسية بين أبناء الشعوب العربية، ويغذي انقسامات لا تخدم سوى من يراهنون على تفتيت الوعي الوحدوي الجمعي لها .
لقد أثبتت التجربة أن الشعوب التي اختارت الفرح، والتضامن، والاعتراف بإنجاز الآخر، قدمت درسا في النضج الحضاري. أما أولئك الذين اختاروا السب والتحريض وهم قلة القلة ، فقد انخرطوا — عن وعي أو عن غير وعي — في خطاب إقصائي لا علاقة له بالرياضة، بل هو امتداد لصراعات سياسية تحاول إلباسها بقناع الكرة.
و بين نشوة الفوز وألم الخسارة تبقى كرة القدم امتحانا قيميا أخلاقيا قبل أن تكون منافسة رياضية. إما أن نجعل منها بوعي حضاري راق أفقا للوحدة، ومنصة لإبراز أفضل ما فينا لنقدمه بصورة تليق بنا كشعوب عربية وإفريقية امام العالم ، أو نتركها رهينة لخطابات كراهية بين المتنافسين قد تحولها الى صراعات فعل ورد فعل مضاد .
ما قدمه المغرب من تنظيم وحفاوة استقبال وسلوك حضاري لبلد عريق في أصول الضيافة والكرم ، عبر عن فرح عرس جماعي لكل البلدان الشقيقة التي يربطها تاريخ وحاضر ومصير مشترك .
ومن قلب الملاعب والبيوت والمقاهي ستبقى الشعوب العربية والافريقية بأبنائها الكبار و الصغار على عهد الأخوة والتضامن لبناء مجد مستقبلها الذي لن تنال منه لعبة تمتثل لقواعد الفوز او الخسارة ..بقدر ما تجمعهم قيم التوحيد والايمان و المحبة والتضامن والوحدة .


