بقلم : رضوان الغزاوي ـ باحث فالسياسة الدولية والدبلوماسية والرقمنة
تتجه الأنظار نحو الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تستعد خلال نهاية هذا الشهر للتصويت على ملف الصحراء المغربية، باعتباره أقدم نزاع إقليمي في القارة الإفريقية.الملف يدخل مرحلة حاسمة، فالمغرب اليوم يراهن على الزخم الدولي المتزايد لدعم مقترح الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي ودائم، بينما يبقى السؤال المطروح:
هل سينجح المغرب في ترجمة هذا الدعم إلى قرار أممي حاسم؟ أم أن حق الفيتو سيعيد الملف إلى دائرة التعطيل؟
منذ سنة 2016، عرفت الدبلوماسية المغربية تحولًا جذريًا في مقاربتها لقضية الصحراء، إذ انتقلت من منطق الدفاع إلى منطق المبادرة الهجومية الذكية القائمة على قاعدة “الاعتراف مقابل الشراكة والاستثمار”.وقد أكد الملك محمد السادس هذا التوجه في خطابه بمناسبة ثورة الملك والشعب حين قال:
“ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات”.
هذا النهج الواقعي مكّن المغرب من كسب تحولات نوعية في مواقف عدد من القوى العالمية، خصوصًا فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وألمانيا، حيث أصبحت هذه الدول تعتبر الحكم الذاتي المقترح من طرف المغرب “الحل الوحيد الجدي والواقعي” للنزاع.
كما شكل الاعتراف الأمريكي والبريطاني والفرنسي بالحكم الذاتي دفعة قوية للقضية المغربية، إذ تبعته موجة من فتح القنصليات في مدينتي الداخلة والعيون، ما أضفى بعدًا دبلوماسيًا ملموسًا على أرض الواقع.
في مقابل هذا التقدم المغربي، تواصل الجزائر التمسك بخطاب متناقض؛ فهي تدّعي الحياد لكنها تتصدر الصفوف الأمامية في دعم جبهة البوليساريو وتمويلها، ما أدى إلى استنزاف مواردها في نزاع لا يخدم سوى مصالح لوبيات ضيقة. لقد تحولت القضية بالنسبة للجزائر إلى عبء سياسي واقتصادي، جعلها معزولة في محيطها المغاربي والإفريقي، في وقت يحقق فيه المغرب مكاسب متتالية على مستوى الدبلوماسية الدولية.
الفيتو الروسي وحسابات المصالح .
يبقى السؤال المطروح الآن: هل يمكن لروسيا أو الصين أن تعرقلا قرار الجمعية العامة لصالح الحكم الذاتي عبر استخدام حق الفيتو؟
في آخر تصريح له، قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن موسكو “ لن تستخدم الفيتو إذا كانت الشرعية الدولية تتماشى مع القرار”. ورغم أن التصريح بدا يحمل شيئًا من الغموض، إلا أن العلاقات الممتازة بين المغرب وروسيا، خاصة في مجالات الطاقة والفلاحة والسياسة، تجعل استعمال الفيتو من طرف موسكو أمرًا مستبعدًا، رغم الضغوط الجزائرية المستمرة.أما الصين، فترتبط بالمغرب بشراكات اقتصادية ضخمة، إذ تعتبر الرباط بوابة رئيسية لمنتجاتها نحو أوروبا وأمريكا في ظل العقوبات الغربية المفروضة على بكين.ولذلك، من غير المنطقي أن تدعم الصين أطروحة انفصالية قد تضر بمصالحها الاستراتيجية في شمال إفريقيا، خصوصًا في ظل انفتاح المغرب على الاستثمارات الصينية الكبرى في البنية التحتية والطاقة.
لكن ماذا عن الفيتو البريطاني هل يمكن الوثوق به ؟ هل يمكن إعتبار بريطانيا حليف استراتيجي وجيوقتصادي للمغرب ؟ .
نحن نعلم أن بريطانيا عبّرت عن دعمها الواضح لمقترح الحكم الذاتي، إلا أن مصالحها الجيوسياسية المعقدة تجعل موقفها متحفظًا في بعض الجوانب، خاصة مع استمرار تبعية عدد من الدول للتاج البريطاني في قارات مختلفة.وهنا تبرز أهمية الذكاء الدبلوماسي المغربي في إدارة العلاقة مع لندن، لتفادي أي مفاجآت في لحظة التصويت ، حيث ان المغرب قام بتنوع شركته مع بريطانيا في العديد من المجالات لعب أبرزها الطاقة المتجددة لتصل بريطانيا ملزمة بدعم الملف المغربي حيث أن أغلبية استثمارها تأتي من المناطق الصحراوية ، هذا بالإضافة إلى ضغط الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الذي سيكون بمثابة نقطة نهاية في هذا النزاع.
في ختام هذا الصراع قد يسجَّل يوم 30 أكتوبر كحدث تاريخي في مسار القضية الوطنية، بل وقد يتحول إلى يوم وطني جديد يحتفل به المغاربة كل عام، إذا ما تمت المصادقة على القرار الأممي لصالح الحكم الذاتي.
أما إذا تأجل الحلم، فستبقى الانتكاسة نتيجة طبيعية للعقلية العسكرية المتحكمة في النظام الجزائري، التي ما زالت رهينة لماضيها الاستعماري، وتعيق طموحات شعوب المنطقة في بناء اتحاد مغاربي قوي من الرباط إلى طرابلس.

