في ظل مسلسل طويل من المفاوضات والقرارات الأممية حول قضية الصحراء الغربية برزت مؤخرًا مسودة قرار لمجلس الأمن تقول إن الحكم الذاتي يُعد الإطار الوحيد المقبول لحل النزاع وتدعو الأطراف المعنية للتفاوض في ضوئه، هذه العبارة وإن بدت لوهلة نصًا تقنيًا داخل الأروقة الدبلوماسية، فهي تحمل في طيّاتها تحولات استراتيجية قد تعيد تشكيل موازين القوى، وتعيد تحديد معالم “الشرعية الدولية” في هذا الملف المعقَّد.
في هذا التحقيق، نستعرض خلفيات هذا المقترح، المواقف الدولية، التحديات التي تواجهه، وما الذي يعنيه فعليًا لطرفي النزاع — المغرب وجبهة البوليساريو — وأيضًا للمجتمع الدولي.
الخلفية التاريخية والقانونية للنزاع
- أصول النزاع وحقُّ تقرير المصير
- الصحراء الغربية كانت مستعمَرة إسبانية حتى انسحاب مدريد في منتصف سبعينيات القرن الماضي، بعد ذلك تدخل المغرب وموريتانيا لتقسيم السيطرة، ورفضت البوليساريو هذا الترتيب وطالبت باستقلال تام.
- مجلس الأمن أنشأ في 1991 بعثة مينورسو (MINURSO) لتطبيق خطة تسوية تتضمَّن استفتاء لتقرير المصير.
- لكن عقبات كبيرة واجهت تنظيم الاستفتاء: من يحق له التصويت؟ من يكون السكان الأصليين؟ كيف يتعامل مع المهاجرين؟ هذه المسائل أفضت إلى تجميد العملية عمليًا.
- مبادرة الحكم الذاتي المغربية (2007)
- منذ العام 2007 قدَّمت الرباط اقتراحًا بمنح الصحراء الغربية “حكمًا ذاتيًا موسّعًا” تحت السيادة المغربية، بحيث تتمتع المنطقة بصلاحيات واسعة في الشؤون الداخلية، لكن تُبقى الحدود والدفاع والعلاقات الخارجية بيد الرباط.
- هذا المقترح وُصِف مرارًا من قِبل مجلس الأمن بأنه “جاد وذو مصداقية” — لكنه لم يُعطَ صفة الحل الحصري رسميًا.
- مع مرور السنوات دعمت عدة دول غربية هذا المقترح أو اعتبرته “الإطار الأكثر واقعية” للتسوية، دون أن تتبنَّاه رسميًا كحل وحيد.
- مواقف الأمم المتحدة ومجلس الأمن حتى الآن
- قرارات مجلس الأمن مؤخراً غالبًا ما تُجدد تفويض مينورسو لمدة سنة وتشدّد على أهمية مواصلة المفاوضات بين الأطراف “بدون شروط مسبقة” وبروح من التوافق.
- في القرار الأخير (2756 لعام 2024) جُدِّد تفويض المينورسو حتى 31 أكتوبر 2025 ، مع تأكيد على أن الحل يجب أن يكون “عادلًا، دائمًا، مقبولًا للطرفين، ويتيح تقرير المصير للشعب الصحراوي”.
- لكن ملاحظة مهمة: النص لم يلغِ مبدأ الاستفتاء أو تقرير المصير، بل أشار إلى أن هذا الحق يجب أن يكون “في سياق الترتيبات” التي يتم الاتفاق عليها.
قراءة مسودة القرار: ماذا تغيّر؟ وماذا تُرك للتفاوض؟
ما الجديد في المسودة؟
- المسودة تقول بوضوح: الحكم الذاتي هو الإطار الوحيد المقبول لحل النزاع. هذا يعني ترجيحًا صريحًا لاقتراح المغرب على أي خيار آخر، بما في ذلك الاستقلال الكامل.
- بشكل ضمني، هذا يحصر نطاق التفاوض في إطار تقييم كيف يُطبَّق الحكم الذاتي، وليس في خيار العودة للاستفتاء على الاستقلال أو الانضمام الكامل للمغرب.
- كما أفادت بعض المصادر، المقترح يقترح أيضًا، في بعض التصورات، تقليص مدة تفويض مينورسو إلى 3 أشهر فقط، وربما طلب تقييم نهائي لوجودها أو التحوّل إلى مهمة مختلفة.
- المسودة تحتوي أيضًا إشارات إلى القرارات التي اتخذها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، التي اعترفت بسيادة المغرب على الصحراء، وتلك المبادلة تعطي دفعة رمزية لموقف الرباط.
ما الذي تتركه المسودة للتفاوض؟
- بالرغم من التشديد على الحكم الذاتي كإطار وحيد، فإن التفاصيل الدقيقة لهذا الحكم (نطاق الصلاحيات، مراقبة دولية، الضمانات الدستورية، الحق في تعديل النظام لاحقًا، حقوق الأقليات، إلخ) يُترك أمرها للمفاوضات بين الأطراف.
- كذلك لا يبدو أن المسودة تمنع من النقاش حول مصير الصحراء النهائي، بشرط أن يتم ذلك ضمن “إطار الحكم الذاتي” الذي تُقِرّه الأمم المتحدة.
- المسودة قد تتيح أيضًا المراجعة الدورية أو التعديل إذا فشلت الآليات أو إذا تغيرت الظروف — لكن هذا يعتمد على ما سيُتفق عليه لاحقًا.
المواقف الدولية وردود الفعل المتوقعة
المغرب
من المنظور المغربي، هذا النص يُعد نصراً دبلوماسيًا مهمًا لأنه يُضفي غطاءً أمميًا لإطار الحكم الذاتي كمقترح حصري. سيكون له ما يبرر للمطالبة بأن المفاوضات المستقبلية لا تنطلق من نقطة الصفر، بل من إطار تم اعتماده باعتراف ضمني من مجلس الأمن.
البوليساريو وجبهة التحرير
من المتوقع أن ترفض جبهة البوليساريو هذا المقترح رفضًا قاطعًا، معتبرة أنه “يزيل خيار الاستقلال” ويمسّ بمبدأ تقرير المصير الكامل. وقد تراه بمثابة تقويض لشرعية الحلّ الذي طالما طالبوا به — استفتاء حر ونزيه يتضمن خيار الاستقلال. بالفعل، البوليساريو سبق أن عبّرت عن رفضها لأي “اقتراح لا يتوافق مع الإطار القانوني الكامل للنزاع وقرارات الأمم المتحدة”
كما من الممكن أن تزيد هذه المسودة من توتّر الموقف بين الرباط والجزائر، التي تدعم البوليساريو.
القوى الكبرى والدول الصديقة
- الولايات المتحدة، التي ترأّست إعداد المقترح (وفق تصريحات بعض المصادر)، قد ترى في هذا النص وسيلة لحسم النقاش وتوجيه الحوار نحو خيار مقبول للمغرب.
- فرنسا أعلنت بالفعل دعمها الكامل لمقترح الحكم الذاتي باعتباره “الإطار الوحيد المقبول” في مراسلة إلى الملك محمد السادس.
- بعض الدول الأوروبية مثل البرتغال دعمت مؤخرًا المقترح المغربي للحكم الذاتي كخيار عملي للتسوية.
- من جهة أخرى، دول، من بينها الجزائر وبعض الدول الأفريقية واللافتة إلى حقوق الإنسان، قد ترى في هذا المقترح تراجعًا عن التزام الأمم المتحدة بحق تقرير المصير الكامل، وتطالب بضمانات إضافية أو عدم قبوله كمبدأ نهائي.
التحديات المُحتملة أمام المسودة
- مأزق شرعية الاستقلال
إذا أصبح الحكم الذاتي هو “الإطار الوحيد” فلا يعود هناك مجال عملي للنقاش في خيار الاستقلال الكامل، مما قد يُعد خرقًا لمبدأ تقرير المصير كما ورد في قرارات الأمم المتحدة وصكوك القانون الدولي. - مصداقية الأمم المتحدة
إذا تم تبنّي نصّ بإقصاء خيار الاستقلال، قد تُتهم الأمم المتحدة بأنها تحوّلت من وسيط نزيه إلى جهة تدعم موقف طرف. هذا قد يضعف الثقة في المؤسسات الدولية في المنطقة. - إشكالية التطبيق والضمانات
جزء كبير من الصراع سيُنقل من السؤال “ما الحلّ” إلى السؤال “كيف يُطبَّق هذا الحكم الذاتي؟” — وهذا يعني أن التفاصيل ستصب في محل الخلاف الأكبر: من يضمن التنفيذ؟ من يراقبه؟ كيف تُحمى الحريات وحقوق الإنسان؟ هل يُسمح بإعادة النظر في الوضع لاحقًا؟ - الرفض الشعبي والاحتكاكات الميدانية
قد تواجه هذه المقترحات رفضًا شعبيًا داخل المجتمع الصحراوي، مما قد يوقظ التوترات، وربما تصاعد المقاومة أو النزاع المسلّح في مناطق التماس. - التوازن الجيوسياسي مع الجزائر
الجزائر، التي تدعم البوليساريو، قد ترى في تبنّي الأمم المتحدة لهذا النص تهديدًا مباشرًا لموقفها الاستراتيجي، وقد تردّ دبلوماسيًا أو باستمرار الضغط في المحافل الدولية.
ماذا يعني هذا المسار على أرض الواقع؟
- إذا تم تبنّي هذه المسودة في مجلس الأمن، فالمفاوضات بين المغرب والبوليساريو لن تدور حول ما إذا كان الاستقلال خيارًا، بل حول كيفية تفعيل الحكم الذاتي.
- المغرب سيطالب بأن تكون كل المبادرات القادمة ضمن “الإطار المعتمد”، مما يضع جبهة البوليساريو في موضع دفاعي صعب.
- قد يُطلب من الأمم المتحدة أو دول الضمان أن تراقب تطبيق الحكم الذاتي، وقد يُنشأ هيئات دولية أو آليات رقابية جديدة لضمان حقوق السكان الصحراويين.
- من المحتمل أن تستأنف الجولات الدبلوماسية المكثفة، وربما تدخل وسطاء جدد أو يتغير دور مبعوث الأمم المتحدة، خاصة إذا واجهت المسودة معارضة كبيرة.
وختاما، في عالم الدبلوماسية، قد تبدو العبارة “الحكم الذاتي هو الإطار الوحيد” مجرد جملة قانونية، لكن في سياق الصحراء، هي إعلان تحول استراتيجي: من التفكير في خيارات متنوعة (استقلال، حكم مشترك، ضمّ كلي) إلى قصر النقاش على خيار واحد.
إذا نجحت المسودة في حشد أغلبية في مجلس الأمن، فستعيد رسم خريطة التفاوض، وتفرض على الأطراف — وخاصة البوليساريو — إما القبول بالمقترح أو مواجهة عزلة دولية خطيرة.
لكن المسودة وحدها ليست الحلّ: إنما تفتح الطريق أمام معركة المفاوضات الفعلية، حيث ستُختبر التفاصيل، والسياسات، والإرادة السياسية. في نهاية المطاف، السؤال الأكبر سيبقى: هل سيُتاح للشعب الصحراوي اختيار مصيره الحرّ أم أن القرار سيتحوّل إلى عملية رسمية تدار على مائدة السياسة الكبرى؟

