الطفلة غيثة :
لم يكن أحد يتصور أن صباحًا هادئًا على شاطئ دار بوعزة سيتحول إلى مشهد مأساوي يُخلد في ذاكرة كل مغربي. الطفلة غيثة، لم تكن سوى فتاة صغيرة تبحث عن لحظات من الفرح واللعب على رمال الشاطئ، قبل أن تداهمها آلة حديدية بلا رحمة، لتسقط ضحية حادث مفجع، تجسّد فيه الإهمال، والتعجرف الطبقي، واللامبالاة القاتلة.
قصة غيثة لم تُعد مجرد حادث عرضي، بل أصبحت رمزًا للمعاناة التي يعيشها الأطفال في فضاءات عامة يُفترض أنها آمنة. وهي شهادة حية على أن الاستهتار قد يسرق الحياة من بين أيدينا في لحظة.
وفي لحظات معدودة تغير كل شيء، كانت غيثة تلعب بالرمال، تضحك، وتحفر الحفر الصغيرة بيديها الصغيرتين، بمساعدة والدها، الذي لم يبتعد عنها إلا لأخذ رشفة ماء. وخلال تلك الثواني، اخترقت سيارة رباعية الدفع – كانت تجر جيت سكي – مسار الرمال بسرعة مفاجئة، لتدهس جسد الطفلة البريء دون أن تمنحها فرصة للهرب أو النجاة.
الجراح لم تكن سطحية. التقارير الطبية أظهرت كسورًا في الجمجمة وإصابات حرجة بالرأس، استدعت تدخلاً جراحيًا فوريًا لإنقاذ حياتها. وضعها الصحي أصبح حرجًا، وأصبحت تحت رحمة أجهزة التنفس والمراقبة الدقيقة في إحدى المصحات الخاصة.

وبكلمات اختلط فيها الألم بالحسرة، روى الأب تفاصيل ما حدث قائلًا:
“كانت كتضحك، وكتغني، وأنا قربها نحفر ليها فالرمل، مشيت غير باش نشرب شوية ما، رجعت ما لقيتش بنتي… لقيتها غارقة فالدم، والرأس ديالها مهرّس، وشفت الموت فعيوني.”
يحملها بين ذراعيه، يركض نحو سيارة الإسعاف، وهو لا يعرف إن كانت ابنته ستعيش أم لا. لحظة تشق القلب، وتبقى محفورة في ذاكرة أي أب.
المأساة لم تتوقف عند حد الإصابة الجسدية. فالبيت الذي كانت تملؤه غيثة بضحكتها أصبح مسكونًا بالحزن والصمت. يقول الأب:
“ما قدرتش ندخل للدار… هي اللي كتجي تفتح لي الباب. دابا كتوحشها البلاصة، الصوت ديالها، الضحكة ديالها.”
الأم تعاني من صدمة شديدة، لا تكاد تنام، والرضيعة الصغرى امتنعت عن الرضاعة، كأن الحزن عمّ الجميع، حتى الرُضّع.

ولعل ما زاد من عمق الجرح هو رد فعل عائلة المتسبب في الحادث، حيث واجهوا الوالد بعبارات باردة ومستفزة، قالوا فيها: “عندنا الفلوس، وسير فين ما عجبك.”
عبارة تعكس ثقةً زائدة بالنفوذ والمال، وكأن الدم يمكن أن يُشترى، والجراح يمكن أن تُمحى بعملة نقدية.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل خرج محامي المتهم باتهام غريب، محمّلًا الأب المسؤولية عن الحادث، بدعوى أنه سمح لابنته باللعب في منطقة تعتبر “محمية” وخاضعة للمراقبة، في محاولة مفضوحة لتحويل مجرى القضية وتبرئة الجاني.
هذا التصريح أثار سخط الرأي العام، واعتُبر استهزاءً واضحًا بالعدالة وتبريرًا غير أخلاقي لجريمة واضحة.
جدير بالذكر أن الواقعة أثارت موجة غضب عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أطلق آلاف النشطاء وسم #العدالة_لغيثة، مطالبين بتحقيق شفاف ومحاسبة المتورطين. كتب أحد المعلقين: “إذا كانت العدالة تُشترى، فليكن الشعب هو القاضي.”
تعددت المنشورات، وتزايد التضامن مع العائلة، وتحولت القضية من مجرد خبر محلي إلى قضية وطنية تُناقش في الصحف والبرامج.
من جانبه لعبت الصحافة المستقلة دورًا مهمًا في إبراز تفاصيل القضية، ونقل صوت العائلة للرأي العام. تقارير وتحقيقات ميدانية سلطت الضوء على الإهمال الذي سمح لمركبات ثقيلة بالتجول وسط الأطفال دون رقابة أو تنظيم.
هذه التغطية الإعلامية كانت حاسمة في خلق وعي جماهيري واسع حول خطورة ما حدث.
و من الناحبة القانونية ينتظر المغاربة اليوم معرفة كيف ستتعامل السلطات مع هذه الجريمة. هل سيتم التعامل معها كحادث عرضي؟ أم أنها ستخضع لتحقيق شامل يفضي إلى محاكمة عادلة؟
القانون المغربي يُجرم التهور في القيادة، خصوصًا في المناطق السياحية. لكن الضغط الشعبي هو الضمان الحقيقي لعدم طمس الحقيقة.
جدير بالذكر أن العائلة لا تطالب بتعويضات، ولا تسعى للانتقام. مطلبهم واضح: “نريد العدالة لابنتنا، لا أقل ولا أكثر.”
يريدون فقط أن يعرفوا أن دماء ابنتهم لم تذهب هدرًا، وأنه لا أحد فوق القانون، مهما كان يملك من نفوذ أو مال.
الطفلة غيثة الطفلة غيثة

