في زوايا الصورة المعتمة، هناك دائمًا ظلٌّ لا يظهر، وهمسٌ لا يُسمع، وتاريخٌ يُكتب بكاميرا لا قلم. هذا ما يُحاول محمد سعيد الدردابي أن يكشفه في كتابه الجديد “السينما الكولونيالية في شمال المغرب: محاولة للتأريخ“، الصادر عن منشورات مختبر الدراسات السينمائية، السمعية البصرية والمشهدية.
هذا الكتاب ليس مجرد تحليل لأفلام غبارها أزلي، ولا تصفية حساب مع ماضٍ استعمر الأرض والروح، بل هو عمل استقصائي من نوع خاص، يحفر في أعماق الصور كما يُنقّب الأركيولوجي في الأطلال. ما الذي أرادت تلك العدسات أن تُثبّت في ذاكرة أوروبا عن المغرب؟ وما الذي حاولت طمسه عن المغاربة أنفسهم؟
في المنطقة الخليفية، حيث امتزجت رائحة البحر بطعم السيطرة، نصبت الكاميرات الإسبانية والفرنسية فخاخها البصرية. لم تكن الأفلام وثائقية بالمعنى البريء، بل كانت روايات مشبعة بالإيديولوجيا، تنقل “الواقع” كما أراده المستعمِر لا كما عاشه المستعمَر. هناك، في كل مشهد، تكمن نية، وفي كل زاوية كاميرا، خرافة تُنسَج لتصير حقيقة.
محمد سعيد الدردابي لا يكتفي بتفكيك هذه الصور، بل ينصت إلى ما وراءها: إلى الصمت الذي يملأ الفراغات، إلى المسكوت عنه في زوايا الكادر، إلى التوتر بين الجمال السينمائي والقبح الاستعماري. يستدعي جان ميتري وهيجل وجاك بيرك، لا كأسماء عابرة، بل كأدوات لفهم التواطؤ العميق بين السينما والسلطة.
إنه كتاب عن “الآخر” الذي أراد أن يحكي قصتنا، لكنه روى حكايته. عن الشمال المغربي الذي لم يكن فقط فضاءً للتصوير، بل مسرحًا للهيمنة، وبطلًا صامتًا في دراما استعمارية متقنة الإخراج. ومع ذلك، يُذكرنا محمد سعيدالدردابي بأن لكل صورة ظلّ، ولكل سردية مضادة من يكتبها.
“السينما الكولونيالية في شمال المغرب“ ليس فقط كتابًا في النقد السينمائي، بل دعوة لإعادة النظر في عدسة التاريخ، لنفهم أن الكاميرا قد تكون أحيانًا أخطر من البندقية.


