تطوان44 : نزار القريشي
إنَّ تدحرج الصراع الدولي، و إمكانية انزلاقه نحو مستويات أعلى، قد تتجاوز الخطوط الحمر، التي حددتها الأطراف المتصارعة فيما بينها،على هامش هذه الصراعات التي تجذرت، بدءً وحرب أوكرانيا و تطوراتها، و مرورا إلى حرب غزة و استمرارها، ثم التطور المحتمل ببحر الصين الجنوبي، و هو ما يؤكده اشتداد الصراع الدولي حول مجالات النفوذ، والذي تزيد من شدته الاختلافات، في الرؤى و الاستراتيجيات و العقائد العسكرية المتناقضة حول المصالح و الأهداف.
إذ ترى الولايات المتحدة الأمريكية،في إدارتها للأزمات الدولية، عن طريق مسكها بخيوط الأزمات بدون انخراط مباشر فيها، ضرورة حيوية فيما يجري على الساحة الأوكرانية،خصوصا بعد المنافسة، التي صدرت من “منطقة الأورو”، في مقابل “الدولار”، قبل عشرين سنة من تاريخه، ففي السياق ذاته، ذلك ما تجلى و خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لتتمكن بذلك لندن من التفرغ لشراكتها مع واشنطن ،و لتحقيق دعم إضافي للدولار بعد الأزمة العالمية التي شهدها العالم سنة 2008.بالإضافةإلى ذلك،فإن انكشاف رغبة الرئيس الروسي ” فلاديمير بوتن” في إعادة إحياءه للإمبراطورية السوفياتية، عبر مسمى الاتحاد الروسي هذه المرة، بضمه لجزيرة القرم سنة 2014 ، في مسعى لرسم خريطة موسعة للمنطقة الأوراسية، بغرض فرض الهيمنة الروسية كقطب عالمي جديد ،و هو ما تجلى واضحا بعد فائض القوة الذي امتلكه “الكريملن” ،عندما استشعر تراجع البنتاغون و أوروبا،أمام خطوته بضم القرم،وهو أيضا ما سيتجلى لاحقا ورغبة الروس في تطوير حلف ” بريكس +”.
إلى ذلك، إن غياب التوازن الذي عرف أثناء الحرب الباردة، بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وسقوط جدار برلين،حيث كان الاحتواء المتبادل عنوانا للمرحلة ابتداء من سنة 1945 ، إلى غاية سنة 1992 ،وهو ما كان يعرف بتوازن الرعب، والذي تم ضبطه بمعاهدة “ستارت” 1 و 2 ، غير أن مآل إليه الوضع الدولي و التطورات المرافقة له، بلورت رعب اللاتوازن و اللاتعايش السلمي. لذلك، إن الاشتغال على طريق تجارة جديد، يعمل على تقويض طريق الحرير، تكون موانئ إسرائيل مركزا له، عبر نيوم و الإمارات إلى الهند ثم أوروبا،هو ما قد يعجل بالتطور المحتمل ببحر الصين الجنوبي،في ظل استمرار حرب أوكرانيا، و عدم وجود مؤشر واضح يدل على وضع ما بعد حرب غزة بالقطاع، و في ظل أيضا اشتعال جبهة الشمال بالنسبة للجيش الإسرائيلي،وتهديد الحوثي لسير ومجرى الملاحة البحرية من خليج عدن إلى باب المندب ، و الذي قد يطال القرن الأفريقي حيث يتمركز النفوذ الإسرائيلي بوسط شرق أفريقيا،و هو ما يعرقل المسارات التي تحدد مجالات النفوذ لإسرائيل الكبرى، والتي لن تتحقق حسب الاعتقاد الديني اليهودي، إلا بعد الانتهاء من معركة “هرمدجون”،حيث يتحدث ” سفر إشعياء”، عن ذلك، وهو نص رئيسي من العهد القديم،كان بدأ في تنفيذ تفاصيله بنيامين نتنياهو، بإعلانه الحرب على غزة و الفلسطينيين،غير أن الدولة العميقة داخل إسرائيل بزعامة “إيهود باراك”،تريد إتمام ذلك عبر المجيء ب “بيني غانتس” على رأس الحكومة الإسرائيلية، بعد اتهامها لنتنياهو بسوء إدارته للأزمة، و ذلك أيضا، للحد من تدخل أطراف محور المقاومة في مجرى الحرب،و أطراف أخرى جديدة قد تدخل على خط حرب غزة،حيث يؤشر الوضع بسوريا على إمكانية خروج محتمل لدمشق، من هذا المحور،و انخراط كيانات جديدة داخله، من داخل إقليم الشرق الأوسط، و لصد ذلك، عمل “البنتاغون” على تمرين و مناورة لغلق البحر الأبيض المتوسط، من غربه إلى شرقه،بتنسيق بين قواعده، انطلاقا من أفريكوم و أوكوم ثم سنتكوم،إذ يساعد البريطانيون في ذلك، من قاعدتهم بجبل طارق إلى الكزندروبلس باليونان.
في السياق ذاته، فإن هذا ما زاد من أطماع و رغبة الروس في إيجاد موطأ قدم، بالغرب الأفريقي، ومنطقة الصحراء الكبرى و الساحل،و هو ما ترفضه دول الإقليم،من خلال إعلان رفضها لتواجد “فاغنر” بالمنطقة، و عموم القارة الأفريقية ،مما يزيد من حاجة كل من لندن وواشنطن و باريس لتثبيتهم لعلاقات إستراتيجية مع المملكة المغربية، في ظل تغطية المديرية العامة للدراسات و المستندات “لادجيد” لتراب القارة الأفريقية برمته، وهو ما تؤكده أصداء المبادرة الدولية للملك محمد السادس حيث تهدف إلى تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي عبر الصحراء المغربية، مما يؤهل الساحل و الصحراء الكبرى، لتنمية و ازدهار شاملين يضمن الازدهار لشعوب المنطقة و جيوشها الوطنية. غير أن التموقع الذي اختارته الجزائر إلى جانب روسيا،يهدد السلم بالقارة الأفريقية،و يجنح بها نحو عدم الاستقرار، وخاصة إزاء تسهيل الجيش الجزائري للبحرية الروسية المرور نحو الأطلسي عبر ممرات و مؤديات تنطلق من غرب المتوسط، وهو ما يهدد فرنسا و المملكة المتحدة و السواحل الأمريكية،حيث تناقلت ذلك تقارير صدرت من مديرية الاستخبارات الخارجية الفرنسية رفعت لقصر الإليزيه، تؤكد خطورة المقاربة الأمنية المشتركة الصادرة من اللواء “مهنا جبار”،رئيس الاستخبارات الخارجية الجزائرية، و المرتبطة بمجلس الأمن الروسي و أمينه نيكولاي باتروشيف، وهو ما يتعارض مع رؤية باريس و واشنطن،حول حلحلتهما للأزمات بأفريقيا ومصالحهما المشتركة بها.
و بالعودة للصراع الدولي، فإن التطورات الأخيرة بأوكرانيا، و استحالة إيقاف الجيش الإسرائيلي لحرب غزة،خاصة و تدحرجها المحتمل على جبهة الشمال، بعد حادثة مروحية الرئيس الإيراني،و التي أدت لتغييبه عن المشهد ،حيث تفيد الأبحاث الحقيقية حول ملابسات الحادث ،أن المروحية قد تكون تعرضت لتشويش إلكتروني ، مصحوب بحقول المغناطيسية النشطة،موجه ضد نظام التحكم بها، و هو ما قد يكون ساهم في إسقاطها بعد خلخلة نظامها الإلكتروني، غير أن إيران تصر على تجاهل ذلك، لأن إقرارها به يفترض ردا منها على ذلك، إذ من المؤكد أنها لا تستطيع امتصاص أي ضربة يوجهها لها تحالف غربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية،إن تحركت لمواجهة إسرائيل، التي تلقى دعما دائما و مستمرا من الغرب، وهو ما تسعى طهران لتجنبه بحذر شديد.
هذا، و على صعيد آخر، فإن التطور المحتمل ببحر الصين الجنوبي، يعزز من التقارب الياباني-الهندي، وإمكانية انخراط البلدين مع الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية و الفيليبين، في دعم الجيش التايواني ضد الجيش الصيني إزاء أي تطور محتمل، وهو ما تجمد بسببه “بجين” تدخلها المباشر في جزيرة “تايوان”.
إلى ذلك، إن تقدير الاقتصاديين الغربيين للأزمات الدولية، على أنها وسائل إيجابية تبرر الغايات،هو ما سيعمل على تأجيج المزيد، من الصراعات الدولية حول المصالح، و ذلك من أجل الوصول لبلوغ الأهداف الرامية، لإعادة تأهيل النظام العالمي من جديد، و الذي لن يتأتى إلا بتحسين الأطراف الدولية المتصارعة فيما بينها لشروط التفاوض على طاولة المفاوضات مستقبلا، وهو ما يؤكد أن حرب أوكرانيا ستستمر أشهرا إضافية، و أن حرب غزة مستمرة مادامت المقاومة لم تهزم، وهو ما يضمن تأجيل انتقال الصراع لشرق آسيا،إلى غاية إنهاء حرب أوكرانيا و حرب غزة، غير أن صراعا آخر يلوح في الأفق، حول عدم التوافق و الإجماع الدولي على توقيت التخفيض السكاني المعروف ب ” المليار الذهبي”، الذي خططت له جماعة المتنورين، بأفق سنة 2025 ، إذ يرى معارضو ذلك من داخل “أوبيك”، و أوبيك +، في هذا التخفيض السكاني انهيارا لاقتصادياتهم المبنية على مداخل النفط،إذ بموازاة تحقيق التخفيض السكاني و تحويله إلى مليار نسمة، سيقل الطلب على النفط وتنهار مستويات الإنتاج، وهو ما يعرقل التنمية التي ما فتئت تنتهجها البلدان النفطية في ظل مستويات احتياطاتها من النفط ،و عدم جفاف آباره، مما سيحولها إلى دول فقيرة جدا، في ظل عدم توفرها حاليا على بدائل اقتصاديه ناجعة لمداخلها من عائدات النفط، رغم الخطوات المتأخرة التي بدأت تنتهجها هذه الدول في محاولة لتنويع مصادرها الاقتصادية.
في السياق ذاته، تطالب دول عدة مدعومة، من مجتمعاتها الاستخبارية، إلى ضرورة تأجيل التخفيض السكاني من سنة 2025، إلى سنة 2030 كأقصى حد، لأن أطرافا دولية منخرطة في الصراع الدولي، غير مستعدة لتمرير و استقبال هكذا حدث.و هو ما قد يقره مؤتمر بلدلبرغ القادم، ضمن جدول أعمال مؤتمريه بعد مناقشته بتنسيق مع اللجنة الثلاثية.

