محمد العربي اطريبش
صدر مقال صحيفة “الرابعة” الإلكترونية الإسبانية حول قضية اليوتيوبر الجزائري راوف بلقاسمي متضمنا جملة من المغالطات القانونية والتناقضات الصريحة مع روح ومقتضيات القانون المغربي كما انطوى على محاولة غير مبررة للتماس الأعذار لشخص ثبت في حقه ارتكاب أفعال تمس بالإخلال بالحياء العام داخل فضاء رياضي من المفترض أن يكون موجها للعائلات والأطفال.

أول ما يلفت الانتباه في هذا المقال هو تجاهله لقاعدة قانونية مستقرة مفادها أن لا يعذر أحد بجهله للقانون وهي قاعدة معمول بها في التشريع المغربي كما في أغلب الأنظمة القانونية المقارنة فالادعاء بأن ما قام به المعني بالأمر مجرد مزحة أو سلوك طائش لا يمكن أن يشكل بأي حال من الأحوال مبررا قانونيا للإفلات من المتابعة أو التخفيف من المسؤولية الجنائية خاصة عندما يتعلق الأمر بأفعال علنية موثقة بالفيديو ومصحوبة بتصريحات استفزازية تمس بالحياء العام وبمشاعر الجمهور.
كما أن محاولة التقليل من خطورة الفعل بدعوى أنه لم يتبول فعليا داخل الملعب وأن السائل الذي ظهر في المقطع كان مجرد مشروب لا تنفي القصد الجنائي ولا تلغي الأثر الاجتماعي للفعل فالإخلال بالحياء العام لا يشترط دائما وقوع الفعل المادي بصورته النهائية بل يكفي التظاهر به علنا والترويج له وبثه على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي بما يحمله ذلك من تحقير للمجال العام واستخفاف بالقيم الأخلاقية وتأثير سلبي على فئات واسعة من المتابعين خصوصا القاصرين.
الأخطر من ذلك أن المقال الإسباني بدا وكأنه يتجاهل السياق العام الذي تأتي فيه هذه المتابعة القضائية والمتمثل في الحملة التي تنهجها الدولة المغربية منذ مدة ضد مظاهر التفاهة والإساءة للحياء العام في الفضاء الرقمي وهي حملة لم تأت من فراغ بل جاءت كرد فعل على تفشي محتويات تافهة واستفزازية وأحيانا إجرامية كان أصحابها يختبئون خلف صفة صناع محتوى لتبرير سلوكات لا تمت بصلة لحرية التعبير أو الإبداع.

وفي هذا الإطار لا يمكن عزل قضية رؤوف بلقاسمي عن سلسلة من المتابعات القضائية التي طالت عددا من المؤثرين داخل المغرب بعضهم تورط في جرائم جنائية خطيرة من قبيل الاتجار في البشر ونشر مواد إباحية والتشجيع عليها كما هو الحال في قضية آدم بتشقرين ووالدته وغيرهم من الوجوه التي تحولت من مؤثرين إلى متابعين أمام القضاء بتهم تمس الأمن الأخلاقي والاجتماعي للمجتمع.
إن تصوير ما وقع وكأنه مجرد مزحة ثقيلة أو سوء تقدير من شاب في العشرينات من عمره كما حاولت صحيفة “الرابعة” الإيحاء هو تمييع خطير للوقائع وتطبيع غير مباشر مع سلوكيات مرفوضة قانونا وأخلاقا فالقانون المغربي واضح في تجريم كل ما من شأنه الإخلال العلني بالحياء العام سواء تم ذلك بالفعل أو بالإشارة أو بالتظاهر أو بالنشر والترويج عبر الوسائط الرقمية.
وعليه فإن المقال الإسباني لم يكن محايدا ولا مهنيا في مقاربته للملف بل لعب دور المدافع عن سلوك غير قابل للدفاع عنه والتمس أعذارا لا يسندها أي أساس قانوني داخل المنظومة التشريعية المغربية وهو ما يطرح علامات استفهام حول خلفيات هذا الطرح وحول مدى احترامه لسيادة القوانين الوطنية للدول وعدم إسقاط تصورات ثقافية أو إعلامية أجنبية على واقع قانوني مغاير.
في المحصلة لا يتعلق الأمر بتضييق على صناع المحتوى ولا بقمع حرية التعبير كما يحلو للبعض الترويج بل بتطبيق صارم للقانون على أفعال علنية موثقة تمس بالحياء العام وتسيء لصورة الفضاءات الرياضية وتكرس ثقافة التفاهة والاستخفاف بالقيم وهي رسالة واضحة مفادها أن المغرب اختار وضع حد للفوضى الرقمية وأن زمن الإفلات من العقاب تحت غطاء المزاح والترند قد ولى.

