متابعة محمد العربي اطريبش
تحولت التساقطات المطرية الغزيرة التي عرفتها مدينة القصر الكبير ومحيطها خلال الأيام الأخيرة إلى اختبار حقيقي لمنظومة التدبير الترابي للأزمات بعدما تسببت السيول في غمر عدد من الأحياء السكنية والمناطق الزراعية مخلفة خسائر مادية متفاوتة وسط حالة من الاستنفار العام وتعبئة متعددة المستويات لاحتواء تداعيات الوضع.

ومنذ الساعات الأولى لتفاقم منسوب المياه صدرت تعليمات ملكية سامية تقضي بتسخير كل الإمكانات اللوجستية والبشرية الضرورية لضمان سلامة المواطنين، وتسريع عمليات الإنقاذ والإيواء المؤقت مع التشديد على ضرورة التنسيق المحكم بين مختلف المتدخلين وفي مقدمتهم القوات المسلحة الملكية، والدرك، والوقاية المدنية، والسلطات المحلية.

وشهدت المدينة تحركات ميدانية مكثفة للوحدات العسكرية التي سخّرت تجهيزات هندسية متخصصة، من مضخات شفط المياه، وجرافات، وزوارق مطاطية لإجلاء السكان من المناطق المعزولة بالتوازي مع إقامة سدود ترابية مؤقتة لتقليص تدفق السيول نحو الأحياء المنخفضة.
كما واصلت السلطات الإقليمية والمنتخبون المحليون اجتماعات خلية الأزمة لتقييم الوضع ساعة بساعة، واتخاذ قرارات استعجالية تخص إغلاق بعض المقاطع الطرقية، وتأمين المدارس والمؤسسات العمومية، وتوفير مراكز للإيواء لفائدة الأسر المتضررة، إلى جانب توزيع الأغطية والمواد الغذائية الأساسية.
وانخرط رؤساء الجماعات وأعضاء المجالس المنتخبة في عمليات التواصل المباشر مع الساكنة، وتتبع الحاجيات الآنية للأحياء المنكوبة، في وقت ارتفعت فيه أصوات تطالب بتسريع تنزيل مشاريع الحماية من الفيضانات وإعادة النظر في البنيات التحتية لتصريف المياه، خاصة في المناطق التي تعرف توسعاً عمرانياً متسارعاً.
وفي هذا الصدد صرح المستشار الجماعي بالقصر الكبير محمد ماجدي في اتصال هاتفي أن تدخل الملك يعتبر بحسب وصفه “بالاهتمام الرفيع والمتواصل لجلالته بكل ما يمس حياة المواطنين” معتبراً أن التعليمات الملكية السامية بتعبئة مختلف المتدخلين وتوفير الدعم اللازم للمتضررين تعكس “نهجاً قائماً على القرب الميداني والتدخل الاستباقي في لحظات الشدة”.
وأضاف ماجدي أن الانخراط السريع لمختلف المصالح العسكرية والمدنية إلى جانب السلطات المحلية والمنتخبين شكّل عاملاً حاسماً في تطويق تداعيات الفيضانات والحد من مخاطرها مؤكداً أن المرحلة الراهنة تتطلب مواصلة التعبئة الجماعية والتنسيق الوثيق مع الساكنة وتسريع إجراءات المواكبة الاجتماعية والإنسانية إلى حين تجاوز هذه الظرفية الحرجة.

و بعيدا عن لغة الأرقام والخسائر برزت مشاهد تضامن واسعة بين المواطنين حيث فتح سكان أحياء مرتفعة منازلهم لإيواء أسر تضررت من السيول فيما أطلقت جمعيات مدنية حملات لجمع الملابس والمواد الغذائية والأغطية كما سارع متطوعون إلى المساعدة في تنظيف المنازل والمتاجر بعد انحسار المياه.
وانتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مبادرات فردية وجماعية لتنسيق الدعم في صورة تعكس تماسك النسيج الاجتماعي المغربي خلال لحظات الشدة وتؤكد أن الكوارث الطبيعية رغم قسوتها تبرز قدرة المجتمع على التكاتف والتعاضد.

ومع بداية تراجع منسوب المياه في بعض المناطق تتجه الأنظار إلى مرحلة ما بعد الطوارئ حيث يرتقب إطلاق عمليات لإحصاء الخسائر وتعويض المتضررين وإعادة تأهيل البنيات الأساسية المتضررة من طرق وقنوات صرف ومرافق عمومية فضلاً عن تسريع مشاريع التهيئة الهيدرولوجية للوديان المجاورة.

ويرى خبراء في تدبير المخاطر الطبيعية أن ما وقع بالقصر الكبير يجب أن يشكل منطلقا لإعادة تقييم منظومة الإنذار المبكر وتعزيز خرائط المناطق المهددة بالفيضانات وإدماج منطق الوقاية بدل الاقتصار على التدخل بعد وقوع الكارثة.

