متابعة محمد العربي اطريبش
احتضن السجن المحلي بتطوان لقاءً احتفاليًا بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لتأسيس المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، في محطة مؤسساتية بارزة لاستعراض حصيلة الإصلاحات العميقة التي شهدها القطاع، وتسليط الضوء على التحولات النوعية التي عرفتها المنظومة السجنية بالمغرب.
وشكل هذا اللقاء مناسبة للتأكيد على أن تخليد هذه الذكرى لا يقتصر على طابع احتفالي رمزي، بل يمثل لحظة تأمل وتقييم لمسار إصلاحي متكامل، انطلق منذ سنة 2008 برؤية ملكية سامية، جعلت من المؤسسات السجنية فضاءات للإصلاح وإعادة التأهيل، إلى جانب دورها في حفظ الأمن والنظام العام.
وقد أفرز هذا المسار، وفق ما تم تقديمه، نموذجًا مغربيًا متقدمًا يوازن بين متطلبات الحزم الأمني واحترام حقوق الإنسان، عبر إطلاق برامج ومخططات استراتيجية، من بينها مخطط (2022-2026)، الذي فتح آفاقًا جديدة في مجالات العدالة التصالحية، والرقمنة، والحكامة داخل المؤسسات السجنية.

وفي سياق مواجهة إشكالية الاكتظاظ، تم إبراز مجموعة من الإجراءات العملية، على رأسها تفعيل نظام العقوبات البديلة بموجب القانون 43.22، والذي دخل حيز التنفيذ سنة 2025، بما يتيح الانتقال من العقوبات السالبة للحرية إلى عقوبات منتجة وناجعة، تسهم في إعادة الإدماج وتقليص الضغط على المؤسسات السجنية، مع الحفاظ على الروابط الأسرية والمهنية للمحكومين.
كما تم التأكيد على اعتماد آلية “التخفيض التلقائي للعقوبة” المرتبطة بحسن السلوك والانخراط في برامج التأهيل، إلى جانب دور المسطرة الجنائية في ترشيد الاعتقال الاحتياطي، بما يساهم في التخفيف من الاكتظاظ وتحقيق توازن دقيق بين الأمن وحقوق الأفراد.

وعلى مستوى البنية التحتية، واصلت المندوبية سياسة تحديث المؤسسات السجنية عبر بناء سجون من الجيل الجديد وإغلاق أخرى متقادمة، بما يضمن تحسين شروط الإيواء واحترام المعايير الوطنية والدولية في معاملة النزلاء، فضلاً عن تعزيز خدمات التغذية، والنظافة، والرعاية الصحية، وتوفير تجهيزات خاصة لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة.
وفي الجانب التأهيلي، تم تسجيل تقدم ملحوظ في برامج التعليم والتكوين داخل السجون، بشراكة مع مؤسسات جامعية وتربوية، حيث تحولت المؤسسات السجنية إلى فضاءات للتعلم واكتساب المهارات، مما انعكس إيجابًا على نسب النجاح في الامتحانات الإشهادية، ومهّد لإعادة إدماج فعالة للنزلاء في المجتمع.
كما شهدت المنظومة السجنية انخراطًا متزايدًا في مشاريع “السجون المنتجة”، التي تمكن النزلاء من اكتساب مهارات مهنية وتوفير دخل يساعدهم على إعالة أسرهم، ويدعم اندماجهم الاقتصادي بعد الإفراج.
وفي محور التحصين الفكري، تم إطلاق برامج توعوية وتربوية تهدف إلى حماية النزلاء من التطرف، وتعزيز قيم التسامح والمواطنة، إلى جانب تنظيم أنشطة ثقافية ورياضية واجتماعية بشراكة مع فعاليات المجتمع المدني.

أما في مجال الرقمنة، فقد تم اعتماد أنظمة حديثة لتدبير الزيارات العائلية والخدمات الإدارية، مما ساهم في تحسين جودة الخدمات وضمان كرامة المرتفقين، إلى جانب تعزيز منظومة المراقبة بالكاميرات الذكية والتجهيزات الأمنية المتطورة.
وفي ما يخص الموارد البشرية، تم التنويه بالدور المحوري الذي يضطلع به موظفو القطاع، باعتبارهم الركيزة الأساسية لإنجاح مختلف الإصلاحات، حيث شهدت سنة 2025 مكاسب مهمة لفائدتهم، شملت تحسين الأوضاع الاجتماعية، وإحداث مؤسسة للأعمال الاجتماعية، وتوفير خدمات دعم متعددة، فضلًا عن تعزيز التكوين المستمر والحماية القانونية.
واختُتم اللقاء بالتأكيد على مواصلة مسار التحديث والتطوير، بما ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية، ويعزز مكانة المنظومة السجنية المغربية كنموذج متوازن يجمع بين الأمن، والكرامة الإنسانية، وإعادة الإدماج.




