بقلم إيمان أشيخان
دأب المغرب في إطار التقاليد الملكية الراسخة بمناسبة عيد العرش، على ترؤس جلالة الملك محمد السادس بصفته القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية مراسيم حفل أداء القسم من طرف الضباط خريجي المدارس العسكرية وشبه العسكرية، وذلك يوم 31 يوليوز 2025.
وقد قررت المؤسسة العسكرية إطلاق اسم ”أحمد المنصور الذهبي” على هذا الفوج، كأحد أعظم سلاطين الدولة المغربية في عهد الدولة السعدية،عرف بمهارته في الحكم وحنكته الدبلوماسية، وبقيادته لمغرب قوي وموحد،بلغت لمناطق مختلفة في البلاد، وبانفتاحه على العمق الإفريقي جنوب الصحراء، وتوطيد العلاقات المغربية الأوروبية.
يحمل هذا الاسم للضباط الجدد دلالات سياسية عميقة وراسخة في التاريخ الديبلوماسي والعسكري المغربي، إذ لم يكن هذا الاختيار مجرد توشيح رمزي، بل يحمل في طياته أبعاد سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود المناسبة الظرفية، إلى استحضار الذاكرة التاريخية الوطنية. التي تتقاطع مع التحديات الراهنة لتعكس رؤية ملكية حكيمة، تجمع بين ثقل التاريخ وعمق الحاضر في استثمار الرموز التاريخية في الدفاع عن القضية الوطنيةوالوحدة الترابية.
وانطلاقا من هذا البعد الدلالي ورمزية التسمية الملكية التي تترجم امتداد الماضي بالحاضر يبرز اسم السلطان ”أحمد المنصور الذهبي” تخليدا للمحطات التاريخية البارزة التي تجسد تلاحم وحدة السيادة بالوطنية.

في الذاكرة الوطنية: حكمة القيادة وقوة الدولة في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي
تكتسي شخصية السلطان أحمد المنصور الذهبي مكانة مرموقة في الذاكرة السياسية المغربية، باعتباره من أقوى سلاطين الدولة السعدية، ولأنه جسد نموذج الدولة الموحدة القوية، بالإضافة إلى تكريس السيادة المغربية ذات الإشعاع الإقليمي.
كانت بدايته لحكم المغرب في أعقاب معركة وادي المخازن التي قادها سنة1578م، والتي شكلت محطة مفصلية في التاريخ المغربي؛ فأكدت على استقلالية السيادة المغربية ورفض أي تدخل أجنبي.
شهد المغرب تحت قيادته توسعا ملحوظا لنطاقه الجغرافي، فامتد نفوذ الدولة إلى عمق الصحراء الكبرى، وبلغ حدود نهر النيجر و تمبكتو في إشارة واضحة إلى قوة الدولة ومركزيتها. مكرسا بذلك الوحدة السياسية والترابية قوامها السيادة والولاء الوطني.
فعبر بذلك عن تصور استراتيجي لبناء دولة مهابة تستثمر مواردها وتدير علاقاتها الخارجية بدقة ودهاء. فبرز ذلك في تعامل المنصور مع القوى الأوروبية والإفريقية آنذاك.
إن هذا الحضور القوي في الذاكرة التاريخية وما يحمله من رمزية السيادة ووحدة القيادة الواعية، هو ما يفسر لنا اليوم اختيار اسمه لفوج الضباط الجدد؛ لأنه لم يكن فقط رجل سلطة، بل رجل دولة جمع بين الحزم العسكريوالبعد الدبلوماسي ممتد بين توحيد الداخل وإدارة العلاقات الخارجية.
فهذه هي القيم ذاتها التي تستمدها الدولة في سياقها الحالي للدفاع عنوحدتها الترابية. لذلك أطلقت المؤسسة العسكرية هذه التسمية كدلالة تحيي بها تصورا سياديا لمغرب قوي قادر على الدفاع عن تخومه وهويته وسيادته الترابية في ظل التحديات الراهنة.
السياسة الملكية بين الرمزية والفعل في الدفاع عن السيادة الترابية
إن استحضار رمزية السلطان الذي أطلق على الفوج الجديد للضباط، لم يكن اختيار بروتوكولي أو لفتة احتفالية عابرة، بل كان تعبيرا مدروسا عن رؤية ملكية تعيد إلى الأذهان مرحلة تاريخية كانت أوج السيادة المغربية والتوسع نحو العمق الإفريقي. والتي تعكس تصورا ونهجا ملكيا راسخا يربط بين الدفاع عن الوطن بجذور التاريخ، وتجعل من الذاكرة الوطنية رافعة لتثبيت السيادة وترسيخ الانتماء في انسجام رفيع بين الرمزية والفعل.
فمنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش تبنى في أجندته الوطنية والدولية توجها سياسيا ودبلوماسيا متوازنا، يرتكز على استراتيجية متينة لترسيخ السيادة الوطنية وصون الوحدة الترابية، ويحرص على رفع مكانة المغرب وإبراز دوره الفاعل في الساحة الدولية. وجعل من الدفاع عن القضية الوطنية هدفا أساسيا وثابتا لحفظ استقرار البلاد.
وبذلك تتجلى السياسة الملكية في الجمع بين الحزم الدبلوماسي والعمل على تفعيل البعد السياسي والاقتصادي في إطار رؤية تقوم على تنوعالشركاء، دون تفريط في الثوابت الوطنية؛ ورفض كل محاولات المساس بالسيادة المغربية، وذلك من خلال مسار متجدد في الشكل ثابت في الجوهر، يظهر استمرارية الرمزية والفعل التي تعكس وحدة المنطلقات رغم اختلاف السياقات. وهكذا يكون الحاضر يحمل في طياته نفس الأصداء والقيم والمواقف التاريخية التي ميزت المغرب عبر العصور.
إن التوجه السياسي الذي تتبناه المملكة اليوم، بتعزيز حضور المغرب في أقاليمه الصحراوية من خلال مشاريع تنموية كبرى، عبر ربط فعلي للمجال الترابي المغربي؛ ما هو إلا تجسيدا فعليا لشعار من طنجة إلى الكويرة. كما تربط القارة الإفريقية بتوسيع شراكاته جنوب جنوب، بالإضافة إلىالمبادرة بالحكم الذاتي كحل سياسي واقعي وذي مصداقية باعتراف المجتمع الدولي؛ ما هو إلا استمرارية لسياسة تاريخية قادها السلطان المنصور. فكان وجوده في الصحراء والأقاليم الجنوبية، التي امتدت من البحر إلى الصحراء ومن فاس ومراكش إلى تمبكتو و غاو تعبيرا عن سيادة لا تنفصل عن هوية الأمة. كما استطاع السلطان توطيد العلاقات المغربية الأوروبية، فقد أدرك أن السيادة تتحقق بالانفتاح على العمقالاستراتيجي لتأمين مصالح الدولة، بربط المجال بالشرعية والفاعلية. هذا الوعي لمفهوم السيادة شكل لبنة أساسية في هندسة الدولة المغربية، فأرسى قواعد صلبة لسيادة المغرب في مواجهة أطماع القوى الأوروبية؛ معتمدا على سياسة الند للند التي أكدت على استقلالية القرار الوطني.
وفي هذا الوقت تسير السياسة الملكية الحالية على خطى الرمزية التاريخيةمن حيث الحزم والثبات في المواقف؛ وذلك في سياق جديد تستثمر فيه الدولة موقعها الجغرافي، بتوطيد العلاقات الإفريقية الأوروبية، فتبرزمكانتها الجيو استراتيجية، لتأكيد شرعيتها التاريخية لمواجهة تحديات الحاضر، مع تحصين مكتسباتها للتصدي لكل ما يمس وحدة التراب الوطني، خاصة القضية الوطنية، مستخدمة كل الوسائل المشروعة، مرسخةبذلك سياسة الند للند التي توازن بين قوة الرد و مصداقية التفاوض.
من خلال هذا التراكم التاريخي والرؤية الملكية المنفتحة التي تمنح للمواقفبعدها العميق، يبدو جليا أن استحضار الرمزية التاريخية للسلطان أحمد المنصور الذهبي واطلاق اسمه على الفوج العسكري، هي تعبير عن بنية الدولة المتماسكة في الدفاع عن ثوابتها، والتي تجمع بين الشرعية التاريخيةوالقدرة على التجدد المستمر.
وبالتالي فالرمزية هي أداة سياسية لبناء الوعي الوطني؛ تجعل من كل فوج عسكري متصل بملاحم التاريخ؛ فاختيار هذا الاسم، يمكن قراءته كإشارة إلى دعوة للأجيال الصاعدة لحمل مشعل الدفاع عن الأرض والهوية بنفس روح الماضي، فالسيادة اليوم كما هي بالأمس، ليست مجرد شعار بل هندسة تدور عجلتها لتنتقل عبر الزمن لتصاغ حسب مقتضيات كل مرحلة.
وبذلك يتحول استحضار الرموز التاريخية إلى أدوات بلاغية ذات مضمون فعلي في خطاب الدولة الحديثة.
إيمان أشيخان
طالبة باحثة في السياسة الدولية والدبلوماسية والرقمنة

