عزالعرب أفرون , طالب باحث في السياسة الدولية و الدبلوماسية و الرقمنة
لم يخرج خطاب العرش عن العرف و المعهود .حيث يكون دائما مناسبة لتجديد روابط البيعة و فرصة سنوية لجرد الانجازات المحققة كما يرسم خارطة طريق عامة حول الأهداف الاقتصادية و الاجتماعية بالخصوص و التي تعمل المؤسسات السيادية للدولة على انجازها و تحقيقها في المنظور القريب أو المتوسط
إذا هي مناسبة لتقديم حصيلة عامة (bilan) ان صح القول لما تحقق و اشارات لما سيتحقق بخطاب معزز بأرقام و احصائيات من أرض الواقع بمنهجية علمية تحترم عادة السياق العام و الخاص .في المقابل هي مناسبة ينتظرها عموم المواطنين لتجديد اواصر الوفاء و البيعة و استقبال الاجوبة التي تحيط بتطلعاتهم و همومهم اليومية .
أما الجانب السياسي في خطاب العرش يكون عبارة عن رسائل أو ومضات عامة أو خاصة تكون موجهة بدقة للداخل أو الخارج هدفها أن تجيب عن التساؤلات الراهنة و المستقبلة كما تكون لها اهداف توجيهية تأطيرية أو من أجل الطمأنة للخارج و اعراب عن حسن نية .
مسار نمو مهم و منتظم
أكد الملك محمد السادس في خطابه للعرش أن المغرب حافظ على نهج الأسلاف في بناء دولة موحدة و متقدمة مع تعزيز مكانتها دوليا .انجاز يبنى على أساس تحقق الصعود الاقتصادي و الاجتماعي باعتبارها عوامل أساسية لضمان الأمن و الاستقرار . هذا الصعود التنموي الذي تؤكده تقارير عدة مؤسسات و عمليات بحث و دراسة من أهمها تقرير عملية الاحصاء لسنة 2024 و مقارنتها مع تقارير و مخرجات عملية الاحصاء لسنة 2014 معززة بمؤشرات تبرز أن المغرب يحقق نمو دائم و منتظم رغم الإكراهات و السياقات الدولية التي تتسم بعد الاستقرار و الاضطراب . مؤكدا جلالته أن للنهضة الصناعية التي عرفتها البلاد دور مهم في هذا النمو حيث أن المجال الصناعي عرف تقدما ملموسا خاصة بعد الاستثمارات الكبرى التي رصدتها الدولة لمجموعة من القطاعات الصناعية الاستراتيجية كقطاع صناعة السيارات و الطائرات و الصناعات الغذائية و ما توفره من معدلات التنمية من خلال توفير مناصب شغل مباشرة و غير مباشرة بعائدات مالية ضخمة من العملات المحلية و الأجنبية .
كما لم يغفل الملك محمد السادس في خطابه عن الجانب الأصيل في التنمية و هي البنية التحتية حيث أكد على إطلاق مشاريع كبرى على الصعيد الوطني مثل خط القطار قنيطرة – مراكش .الاستثمار في البنية التحتية يشكل لبنة اساس في نهضة الأمم و الرقي بها و تجويد لحياتها اليومية .
و في ذات السياق الاجتماعي و الاقتصادي عبر العاهل محمد السادس عن عدم رضاه التام رغم ما تحقق حيث أن هذه التنمية لم تستفد منها بعض المناطق في العالم القروي التي لا تزال تعاني الفقر و الهشاشة مؤكدا القطع مع هذا الوضع باعتبار أن لا مكان اليوم و لا غذا لمغرب يسير بسرعتين و من أجل ذلك اعطى جلالته توجيهاته للحكومة من اجل رصد مزيد من دعم للتشغيل وتقويم الخدمات الاجتماعية الأساسية كالتربية والتعليم والصحة والتدبير الإستباقي و المستدام لأزمة المياه .
هي مؤشرات تدل وتؤكد على أن قطار التنمية في المغرب يسير نحو اهدافه المسطرة بثبات في ظل الامن والاستقرار مع تعزيز مكانة بلادنا دوليا .
سياسة داخلية أساسها التشاور
الحرص على قيام الاستحقاقات الانتخابية في موعدها القانوني الدستوري . وهو تمرين سياسي و مظهر حضاري لتداول السلمي والقانوني للسلطة ما يساهم دائما في استقرار البلاد سياسيا و اجتماعيا .
كما وجه الملك محمد السادس في هذا الاطار تعليماته لوزير الداخلية من أجل احداث المنظومة العامة المؤطرة الانتخابات مجلس النواب لسنة 2026 .هذه المنظومة مبنية على اسس الدستورية و الديمقراطية جوهرها التشاور مع جميع الفاعلين السياسيين من أجل تخليق الحياة السياسية .
سياسة خارجية موسومة بالانفتاح على المحيط الجهوي في ظل تعزيز المكانة الدولية
تظل قضية الوطنية الأولى هي البوصلة التي توجه السياسة الخارجية للمغرب و هي الميزان الذي يقيس به عمق الشراكات ونجاعتها و صدق العلاقات مع الفرقاءالدوليين . و في هذا السياق عبر جلالته عن اعتزازه بالدعم الدولي المتزايد لمقاربة المغرب ولرؤيته المتبصرة في قضية الصحراء المغربية .
الملاحظ ان الملك محمد السادس عند توجهه بالخطاب لشقيقة الجزائر خاطب الشعب الجزائري و هي اشارة لا تخفى عن المتتبعين للرأي العام و المتخصصين في العلاقات الدولية تشير أن المغرب لا يزال يجد صعوبة مع المؤسسات الرسمية والفاعلين السياسيين في الجزائر و من بينهم الساكن بقصر المرادية .
التوجه الى الشعب يشير الى ان الكيمياء التي تنتج تفاعلات ايجابية لم تحدث بعد بين الفاعلين الرسميين ولا يزال الجانب الجزائري متعنتا ولم يستوعب و يتقبل بعد التقدم الذي عرفه ملف الصحراء وفق الرؤية المغربية على الصعيد الدولي و أن الحديث عن حلول أو توافقات أو طي للملف مع الجانب الجزائري أمر لا زال بعيدا أو مستبعدا في المنظور القريب جدا .
أو من الممكن جدا أن أنه يعي جيدا هذا التقدم ولكنه يراوغ ويتشبث بموقفه من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية أو الاقتصادية خاصة وأن الخطاب يتزامن مع زيارة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامبلدول المنطقة و التي من بينهم الجزائر ولا شك أن بولس من بين الملفات التي ستكون على الطاولة عند لقائه مع حكام الجزائر هو ملف الصحراء المغربية كما يشير المختصون في الشأن المغاربي أن هذه الزيارة تأتي من أجل تفعيل أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية لدفع الأطراف المنخرطة في نزاع الصحراء ، إلى تبني الرؤية و المقاربة الواقعية للمغرب التي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية و تحضىبدعم متزايد دوليا
إذا تمرير رسائل للجانب الرمسي الجزائري بطريقة غير مباشرة و عن طريق الشعب هو منهج له مدلوله و دلالته و من بين اهم هاته الرسائل هي استمرار المغرب في سياسة اليد الممدودة و الدعوة الى حوار أخوي و مسؤول انطلاقا من ايمان المملكة بوحدة الشعوب والعمل على تجاوز هذا الوضع المؤسف من خلال حلول لا يكون فيها لا غالب ولا مغلوب وتحفظ ماء وجه جميع أطراف النزاع وهي دعوة صريحة و شفافة تعبر عن نضع الدبلوماسية المغربية في تعاطيها مع محيطها الخارجي كما انها لحظة تاريخية يجب أن تلتقط بذكاء و بمسؤولية من أجل طي لهذا الملف المفتعل
و لكي نكون موضوعيين هي مؤشرات تشي بأن الملف هو في مرحلة بداية النهاية وليس في نهايته كما صرح بذلك بعض المتخصصين في مجال السياسة الدولية واعتبروا أن هاته هي سنة الحسم في القضية . غير ان المعطيات تشير أنها فعلا سنة ستعرف تقدما مهما و تحولات استراتيجية ايجابية جدا في ملف قضية الصحراء المغربية ستكون الأساس الذي سيبنى عليه طي هذا الملف نهائيا غير ان الأمر لا يزال يحتاج بعض الوقت و هو الآن ينضج بفعالية على نار هادئة
ختاما فأن المغرب يعيش اجواء الاحتفال بعيد العرش في ظل وضع اقتصادي واجتماعي يعرف تطورا مستمرا و امن و استقرار داخلي على جميع الأصعدة و مكانة دولية قوية تتناسب مع عمقه تاريخي في محيط يتسم بالاضطراب و عدم الاستقرار و سياق جيوسياسي غير واضح المعالم و مناخ دولي عالمي متقلبتحكمه قوى برغماتية شرسة لا تؤمن إلا بالمصالح .

