بقلم د. حسن الشطيبي رئيس جمعية حماية المستهلك
إن قطاع التأمينات في المملكة المغربية يعتبر من بين القطاعات المالية الأكثر دينامية على الصعيد الإفريقي، حيث يحتل المرتبة الثانية بعد جنوب إفريقيا من حيث حجم الأقساط الصادرة. وبفضل المجهودات التي قامت بها المملكة استطاع هذا القطاع أن يشكل رافعة مالية مهمة، بمساهمة تقارب 3% من الناتج الداخلي الخام.
لقد عرف سوق التأمينات في السنين الأخيرة نموا ملحوظا، إذ تجاوز رقم معاملاته 57 مليار درهم، مع هيمنة واضحة لتأمين السيارات الذي يظل الأكثر انتشارا. كما بدأ التأمين الصحي والتقاعد التكميلي يعرفان توسعاً أكبر، خاصة مع تنزيل ورش الحماية الاجتماعية الشاملة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يواجه القطاع عدداً من التحديات البارزة. فشكايات المواطنين بخصوص بطء التعويضات وضعف الشفافية مازالت تثير الكثير من النقاش، إلى جانب محدودية انتشار التأمينات الفلاحية رغم أهمية القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني. كما أن التحول الرقمي في هذا المجال لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب الذي يضمن ولوجا سلسا وبسيطا لخدمات التأمين.
في المقابل، يفتح تعميم التغطية الصحية والإجبارية على المرض آفاقاً واسعة أمام شركات التأمين، إلى جانب بروز منتجات جديدة مثل التأمين التكافلي (الإسلامي) والتأمينات الموجهة للفئات الهشة. ومن المنتظر أن يشكل إدماج الحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي في تدبير المخاطر ومعالجة الملفات نقطة تحول محورية خلال السنوات المقبلة.
إن قطاع التأمينات في المغرب يقف اليوم أمام فرصة تاريخية: إما أن يعزز مكانته كدعامة اقتصادية ورافعة للتنمية الشاملة، أو أن تظل تحديات الثقة والشفافية عائقاً أمام استجابة فعلية لانتظارات المواطنين.
لا يختلف اثنان على أن التأمين ركيزة أساسية لأي اقتصاد حديث، ووسيلة لحماية الأفراد والأسر من صدمات غير متوقعة. لكن، المفارقة في المغرب أن قطاع التأمين، رغم توسعه وانتشاره، أصبح بالنسبة لجزء كبير من المواطنين مصدر قلق بدل أن يكون مصدر طمأنينة.
الدراسة الأخيرة التي أنجزتها الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلكي بشراكة مع وزارة الصناعة والتجارة، والتي شملت 4040 مواطنا من مختلف جهات المملكة، جاءت لتضع الأصبع على الجرح: 70% من المغاربة مؤمّنون. السيارات والصحة والسكن هي المجالات الأكثر تغطية.
لكن، 65% من هؤلاء غير راضين عن شركات التأمين.
السبب الأعمق يتجاوز مجرد عقود معقدة أو تعويضات متأخرة؛ إنه أزمة ثقة. المواطن يشعر أن التأمين، بدل أن يحميه من المخاطر، يورطه في متاهات إدارية ويتركه وحيدا أمام شركات عملاقة لا تكترث لضعفه.
المثير أن دوافع الانخراط تبقى مرتبطة أساسا بـ الإجبار القانوني، خاصة في تأمين السيارات، وليس بالوعي بأهمية الوقاية. هذا يطرح سؤالًا جوهريا:
كيف نُحوّل التأمين من التزام إجباري إلى ثقافة وقائية جماعية؟
المستهلك المغربي اليوم أكثر وعيا وأكثر استعدادا للتنقل بين الشركات بحثا عن الأفضل. وهذا ما يفسر أن 7 من أصل 10 غيّروا شركاتهم على الأقل مرة واحدة.
لكن الحقيقة أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الشفافية وتبسيط العقود، ثم تحسين خدمة القرب التي تبقى الحلقة الأضعف.
لا يكفي أن نُسَوِّق للأرقام والنسب؛ ما يحتاجه المغاربة هو شعور بالأمان حين يوقعون عقد تأمين. ذلك لن يتحقق إلا بإعادة النظر في العلاقة بين شركات التأمين والمواطن، وتحويلها من علاقة تجارية باردة إلى عقد اجتماعي يقوم على الثقة والإنصاف.
**الخلاصة:*
رغم النمو الكبير الذي شهده قطاع التأمينات في المغرب، وتوسّع منتجاته بين الحياة، السيارات، والصحة، إلا أن أزمة الثقة مازالت تلاحقه. غالبية المستهلكين ينظرون إلى التأمين كالتزام قانوني أكثر منه خيارا وقائيا، وهو ما يُبرز هشاشة العلاقة بين المواطن وشركات التأمين. ضعف الشفافية، بطء التعويضات، وتعقيد العقود تمثل أبرز التحديات التي تُبقي التأمين مصدر قلق بدل أن يكون مصدر طمأنينة.
*التوصيات*
1. تعزيز الشفافية عبر تبسيط العقود واعتماد لغة واضحة ومفهومة للمستهلك.
2. تسريع آجال التعويضات باستعمال الحلول الرقمية والذكاء الاصطناعي لتدبير الملفات.
3. تحسين خدمة القرب وتطوير مكتب الاستقبال والدعم الموجه للمؤمنين.
4. نشر الثقافة التأمينية لجعل الإقبال على التأمين خيارا وقائيا واعيا، لا مجرد التزام قانوني.
5. توسيع نطاق المنتجات لتشمل التأمين الفلاحي والفئات الهشة، بما يعزز العدالة الاجتماعية.
6. إرساء عقد اجتماعي جديد بين شركات التأمين والمواطن قائم على الثقة، الإنصاف، والمصداقية.
التأمينات
التأمينات

