بقلم : الأستاذ عادل كتيب محام متمرن بهيئة المحامين بطنجة باحث في المنازعات القانونية
إن التطورات الأخيرة والمتعلقة بالعبور الجماعي نحو سبتة تشكل تجسيداً ميدانياً صريحاً وفاضحاً لفشل الحكومة في التعاطي مع المعضلات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها تفاقم معدلات البطالة، وانسداد آفاق التشغيل أمام الفئات الشابة، والعجز التام عن تقديم خيارات تنموية واقعية تستوعب طاقات الناشئة وتضمن لهم أسباب العيش الكريم، حيث يتضاعف هذا الفشل التنموي والاجتماعي في ظل موجة الغلاء الحاد الراهنة، والارتفاع المهول في أسعار المواد الأساسية وأسعار المحروقات، وما أعقب ذلك من زيادات صاروخية في تسعيرة وسائل النقل والمواصلات، وهي عوامل أجهزت على القدرة الشرائية للمواطنين وسحقت الفئات الوسطى والهشة، لتزيد من خنق الأسر وتعميق حالة الاحتقان الشعبي، ورغم أن التوجيهات الملكية السامية طالما شددت بوضوح حاسم ورؤية استراتيجية متبصرة على ضرورة جعل الشباب في صلب السياسات العمومية، باعتبارهم الثروة الوطنية الحقيقية وعماد المستقبل والركيزة الأساسية لبناء أي نموذج تنموي واعد، إلا أن الأداء الحكومي والسياسات المعتمدة أظهرا فجوة عميقة وشرخاً شاسعاً بين المقتضيات والخطابات الرسمية وبين الواقع الميداني، بعدما عجزت المبادرات والبرامج المعتمدة عن خلق مناصب شغل قارة ومستدامة تحفظ كرامة المواطن، وتضمن استقراره الاجتماعي، خصوصاً في المناطق الحدودية والهامشية التي تعاني انكماشاً اقتصادياً حاداً وركوداً غير مسبوق، دون أن تقدم الحكومة بدائل استثمارية أو حلولاً هيكلية تنقذ الساكنة والشباب من براثن التهميش والفقر والتداعيات الثقيلة لغلاء المعيشة، ومما زاد من عمق هذه الأزمة وتوسيع رقعتها هو تراجع الثقة في الفاعلين المنتخبين والعملية السياسية برمتها نتيجة التنكر للوعود الانتخابية المعسولة وفشل النخب المحلية والتنفيذية في الوفاء بالتزاماتها حيال حماية القدرة الشرائية وتوفير الفرص، وصولاً إلى عجز التواصل الحكومي والصمت المطبق والارتباك الصارخ الذي تجسد حتى في عدم قدرة الحكومة على صياغة بلاغ رسمي يخاطب الرأي العام ويشرح خلفيات الواقعة، وهو ما ولد حالة عارمة من اليأس والشعور بالخذلان لدى الشباب، دفعهم إلى تفضيل ركوب أهوال البحر ومواجهة السياسات الحدودية الصارمة على البقاء في ظل بيئة تعوزها الفرص والعدالة الاجتماعية وتثقل كاهلهم بأعباء معيشية لا تطاق، لتتحول هذه الأزمة من مجرد انسداد تنموي وسياسي إلى مأساة إنسانية ودامية عابرة لكافة أقاليم المملكة من شمالها إلى جنوبها، تتجرع مرارتها اليومية أسر ومداشر، وبشكل أخص في مدينة تطوان والمناطق المجاورة التي أصبحت تعيش على وقع الفقدان المتزايد لأبنائها وتحصي أعداداً فاجعة من الوفيات والمفقودين الذين يواجهون الغرق والهلاك في مياه البحر، إلى جانب تعرضهم لممارسات قاسية وعنيفة وحاطة بالكرامة الإنسانية على أيدي الجنود وحرس الحدود الإسبان عند حدود سبتة المحتلة، وفي هذا السياق، فإن لجوء السلطات التنفيذية إلى تغليب المقاربة الأمنية الصارمة وسيلةً أساسية لمعالجة النتائج المباشرة لهذا الفشل المركب مع ما يرافق ذلك من شهادات وتقارير متواترة تسلط الضوء على تجاوزات تطال السلامة الجسدية وحقوق الإنسان وتجويع الشباب وحرمانهم من حقوقهم الأساسية المكفولة دستورياً ودولياً يظل حلاً قاصراً وعلاجاً رديئاً لا يمكن أن يستقيم مع مبادئ دولة الحق و القانون والمؤسسات ولا مع الالتزامات الدستورية لحماية كرامة الأفراد، وإن تجاوز هذه الأزمة الوطنية الشاملة لا يمكن أن يتحقق بالاستمرار في إسقاط الحلول الترقيعية أو المراهنة على الاحتواء الأمني المؤقت والصمت الرسمي، بل يستوجب إقراراً صريحاً بمحدودية وفشل العمل الحكومي الحالي، وتفعيلاً حقيقياً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، عبر ضبط الأسعار وكبح جماح تغول المحروقات، وإرساء نموذج تنموي عادل موجه بالأساس نحو المناطق والأقاليم الأكثر هشاشة، يلزم الحكومة بإعادة ترتيب أولوياتها، وتشجيع الاستثمارات المنتجة، وخلق مناصب شغل حقيقية ولائقة تُعيد للشباب ثقتهم في وطنهم ومؤسساتهم الدستورية وتصون حظر المعاملات الحاطة بالكرامة الإنسانية والحق المقدس في الحياة.
وامتداداً لواجبي المهني والحقوقي، ومن موقعي كمحامٍ يرتدي بذلة الدفاع ويمتنع عن الوقوف موقف المتفرج أمام مساسٍ صريح بكرامة المواطن ودولة القانون ورغم خوضنا معركة نضالية وتوقفنا عن العمل رفضا لمشروع قانون المحاماة الجديد والتضييق على الرسالة النبيلة للعدالة – فإن قرار التوقف عن الأداء داخل المحاكم لا يعني مطلقاً خطوة للتراجع عن قضايا المجتمع، بل يزيدنا إصراراً على إعلان التضامن المطلق واللامشروط مع ضحايا هذه الفاجعة الإنسانية وأسرهم المكلومة في تطوان وكافة ربوع المملكة. إن دفاعنا المستميت عن استقلالية مهنة المحاماة وحصانة بذلتنا هو جزء لا يتجزأ من الدفاع عن حقوق هذا الشعب وشبابه المفقود، وتأكيدٌ على أن دور المحامي يتجاوز جدران المحاكم ليقف سداً منيعاً ضد التجاوزات التي تطال الكرامة الإنسانية والسلامة الجسدية، والتزاماً راسخاً بمؤازرة الضحايا حقوقياً، وإقرار سيادة القانون، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
عاشت المحاماة حرة مستقلة.

