بقلم: حمزة الناصري
إن اقتحام مدينة سبتة ليس حدثا عابرا، ولا مجرد تحرك عفوي لمهاجرين يحاولون العبور إلى الضفة الأخرى بحثا عن مستقبل أفضل، بل إن القضية أكبر بكثير مما تبدو عليه في ظاهرها.
فمن يتابع تصريحات ترامب، ومندوب إسرائيل في الأمم المتحدة، وتصريحات الرئيس بيدرو سانشيز، الذي انتقل شخصيًا إلى مدينة سبتة وأكد أن ما جرى يمثل “اعتداء على السيادة الإسبانية”، يدرك أن الأمر يتجاوز مجرد أزمة هجرة، وأن هنا تكمن بيضة القبان.
فبيدرو سانشيز يعلم جيدا أن ما حدث لا يشبه أحداث سنة 2021، ويعلم ايضا أن أغلب الخلافات مع الجانب المغربي قد طويت، وأن العلاقات بين البلدين أصبحت قائمة على شراكة استراتيجية في مختلف المجالات. لذلك فهو يدرك أن المستهدف الأول من هذه الأحداث ليس المغرب، بل حكومته هو شخصيا، ويعي أن ترامب ونتنياهو يقفان، بحسب هذا التحليل، وراء هذا الملف.
وما يعزز هذه الفرضية هو تزامن مواقف وتصريحات حلفاء ترامب، وفي مقدمتهم رئيسة وزراء إيطاليا ميلوني دعت لي تصريح لها على الأحداث بتعليق عضوية اسبانيا في منطقة شينغن، إلى جانب قادة اليمين المتطرف في ألمانيا وهولندا وإنجلترا، الذين تبنوا خطابا يصب في الاتجاه نفسه.
لقد أدرك بيدرو سانشيز أن ما يجري يتجاوز حدود العلاقة مع المغرب، لأن المغرب ليس مجرد بلد جار، بل شريك استراتيجي لإسبانيا على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية.
وفي هذا السياق، يبدو أن بيدرو سانشيز يدفع ثمن مواقفه المناهضة لسياسات الثنائي ترامب ونتنياهو، ولا سيما موقفه من الحرب في غزة، والحرب على لبنان وإيران، وكذلك انتقاداته للسياسة الاقتصادية التي ينتهجها ترامب تجاه دول الاتحاد الأوروبي.
وبناء على هذه القراءة، فإن ما يجري في سبتة لا يمكن اختزاله في حادثة حدودية أو أزمة هجرة عابرة، بل ينظر إليه باعتباره جزءا من صراع سياسي وجيوسياسي أوسع، تتداخل فيه حسابات النفوذ والضغوط الدولية، وتتجاوز تداعياته حدود المغرب وإسبانيا إلى فضاءات إقليمية ودولية أكثر اتساعا.

