بقلم الاستاذ عبد الرزاق الجباري
أبان تطبيق القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة عن مجموعة من الإشكالات عملية، من أبرزها الإشكال المتعلق بتحديد الجهة المختصة بالنظر في المنازعة بشأن القرارات الصادرة عن قاضي تطبيق العقوبات، وذلك في ضوء المقتضيات الجديدة التي همت المادة 647-22 من قانون المسطرة الجنائية.
فقد أسند المشرع لقاضي تطبيق العقوبات صلاحية إصدار قرارات تقضي بإبدال العقوبة الحبسية بعقوبة بديلة، ونص على إمكانية المنازعة في هذه القرارات أمام المحكمة المختصة، محيلا في تحديد هذا الاختصاص على مقتضيات المادتين 599 و600 من قانون المسطرة الجنائية. ومعلوم أن هاتين المادتين تنصان على أن الجهة المختصة هي غرفة المشورة بالمحكمة المصدرة لـ “المقرر المراد تنفيذه”.
غير أن التطبيق العملي لهذه المقتضيات أفرز اتجاهين متباينين:
الاتجاه الأول: يرى أن الاختصاص ينعقد لغرفة المشورة بالمحكمة التي أصدرت المقرر القاضي بالعقوبة الحبسية التي تم إبدالها، وغالبا ما تكون هذه المحكمة هي محكمة الاستئناف التي أيدت الحكم الابتدائي الذي قضى بتلك العقوبة، بعلة أن قرارها هو “المقرر المراد تنفيذه”.
الاتجاه الثاني: ويذهب إلى أن “المقرر المراد تنفيذه”، هو القرار الصادر عن قاضي تطبيق العقوبات القاضي بإبدال العقوبة الحبسية بعقوبة بديلة، وليس قرار محكمة الموضوع الذي قضى بالعقوبة المستبدلة.
وقد بلغ هذا الخلاف إلى محكمة النقض، فرجَّحت الاتجاه الثاني على الأول، معتبرة أن “المقرر المراد تنفيذه” هو ذلك القرار الذي يصدره قاضي تطبيق العقوبات وليس قرار محكمة الموضوع. وبناء عليه، فإن الاختصاص للبت في المنازعة المثارة ضده ينعقد لغرفة المشورة بالمحكمة الابتدائية التي يوجد بها قاضي تطبيق العقوبات مصدر القرار المطعون فيه.
ومما جاء في حيثيات قرار محكمة النقض المذكور، ما يلي: “حيث إنه، تبعا لما ورد بالنصوص القانونية أعلاه، وبالنظر إلى أن المقرر القضائي المنازع في تنفيذه قد صدر عن قاضي تطبيق العقوبات بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة، باعتباره آخر جهة قضائية نظرت في القضية، فإن غرفة المشورة لهذه المحكمة الأخيرة هي المختصة للبت في المنازعة” وليس “غرفة المشورة لجنح السير بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة مصدرة القرار المطعون فيه” (قرار عدد 1770/1، صادر بتاريخ 31-12-2025، في الملف الجنحي عدد27697/6/1/2025، غير منشور).
ونعتقد أن هذا التوجه القضائي كان صائبا، وأن سبب الخلاف الذي اشتد بخصوص هذه المسألة يرجع، أساسا، إلى عدم التمييز بين نوعين من القرارات التي يصدرها قاضي تطبيق العقوبات:
النوع الأول: يتعلق بالقرار المنصوص عليه في المادة 647-2 من قانون المسطرة الجنائية، وهو مقرر ذو طبيعة تنفيذية رغم صدوره عن جهة قضائية، ويهدف إلى تنفيذ مقرر محكمة الموضوع القاضي بإبدال العقوبة الحبسية بعقوبة بديلة.
وهذا القرار يقبل بدوره المنازعة، وتطبق بشأنه مقتضيات المادتين 599 و600 أعلاه، بما يترتب عنه من إسناد الاختصاص لغرفة المشورة بمحكمة الموضوع التي أصدرت المقرر المتضمن للعقوبة البديلة، وغالبا ما تكون هي محكمة الاستئناف التي بتت في الطعن بالاستئناف في هذا المقرر.
الثاني: وهو المعني بالخلاف أعلاه، فيتعلق بالقرار المنصوص عليه في المادة 647-22 من قانون المسطرة الجنائية، وهو قرار قضائي مستقل وليس تنفيذي، يصدر بعد أن تكون محكمة الموضوع قد قضت بعقوبة حبسية وأصبح حكمها حائزا لقوة الشيء المقضي به دون أن تبدل تلك العقوبة. وفي هذه الحالة، يصدر قاضي تطبيق العقوبات قرارا بإبدال العقوبة الحبسية بعقوبة بديلة، فيكون “المقرر المراد تنفيذه” هو هذا القرار الأخير، لا قرار محكمة الموضوع، لأن العقوبة الحبسية لم يُرَد تنفيذها أصلا.
وبالتالي، ينعقد الاختصاص لغرفة المشورة بالمحكمة الابتدائية التي يوجد بها قاضي تطبيق العقوبات مصدر القرار المنازع فيه، والمتضمن للعقوبة البديلة، عملا بمقتضيات المادتين 599 و600 من قانون المسطرة الجنائية.
وتأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن قرار محكمة النقض المذكور قد كرس التطبيق السليم للقانون، ذلك أنه من غير المستساغ، عقلا ومنطقا، إسناد الاختصاص للبت في المنازعة ضد قرار قاضي تطبيق العقوبات القاضي بإبدال العقوبة الحبسية بعقوبة بديلة إلى المحكمة التي سبق لها أن اقتنعت بأن العقوبة الحبسية هي الوسيلة الأنجع لإعادة إدماج المحكوم عليه وتأهيله.

الرئيس السابق لنادي قضاة المغرب

