بقلم: حمزة الناصري
تقع مدينة وادي لو شمال المملكة المغربية، على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، وتتميز بموقع طبيعي فريد يجمع بين البحر والنهر والجبال والسهل، ما منحها عبر التاريخ أهمية جغرافية واستراتيجية خاصة. وخلال فترة الحماية الإسبانية، شكّلت المدينة نقطة عسكرية مهمة، حيث احتضنت سجناً على شكل قلعة ومرفأً بحرياً كان يُستعمل لتزويد الجيش الإسباني بالمؤن والدعم العسكري، خصوصاً في سياق حرب الريف ومواجهة المقاومة المغربية.
بعد الاستقلال، استعادت وادي لو طابعها المدني والاقتصادي، واعتمدت أساساً على الفلاحة والصيد البحري التقليدي، إلى جانب الصناعات التقليدية المحلية كالأواني الفخارية والمنديل والقبعة الجبلية. كما أصبحت وجهة صيفية مفضلة لآلاف الزوار من داخل المغرب وخارجه.
وشهدت المدينة، خلال العقدين الأخيرين، تحولات عمرانية واقتصادية لافتة، جعلتها قبلة للاستثمار العقاري وواحدة من الوجهات السياحية الصيفية البارزة على المستوى الوطني. فقد تجاوز عدد زوارها، في إحدى السنوات التي سبقت جائحة كوفيد-19، مليون زائر خلال شهر غشت وحده، وهو رقم يعكس حجم الإقبال رغم محدودية البنيات والخدمات.
في هذه المرحلة، عرفت وادي لو دينامية ثقافية واجتماعية مهمة، من أبرز تجلياتها تنظيم مهرجان “اللّمة”، المستمد من الموروث الشعبي المحلي المعروف بـ“العنصرة”، والذي شكّل على مدى أكثر من 14 دورة فضاءً للأنشطة الثقافية والفنية والرياضية والاجتماعية. وقد نُظّم هذا المهرجان في عهد المجلس الجماعي السابق، الذي ترأسه الراحل محمد الملاحي لثلاث ولايات متتالية.
وتزامنت تلك الفترة مع إطلاق أوراش تنموية كبرى، أبرزها محطة معالجة المياه العادمة، المصنّفة من بين الأفضل على المستوى الإفريقي، والتي ساهمت في الحفاظ على نظافة مياه البحر والوادي، إضافة إلى تهيئة كورنيش المدينة، وإنجاز نقطة تفريغ خاصة بمهنيي الصيد البحري، وربط المدينة بشبكتين للكهرباء، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الماء الصالح للشرب عبر خزانين رئيسيين. كما شملت المشاريع الطريق الدائرية للتخفيف من الاكتظاظ الصيفي، السوق الأسبوعي، الملعب البلدي، ملاعب القرب، دار الصناعة التقليدية، وتعبيد عدد من الطرقات بالأحياء السكنية، كما يرفع شاطئ مدينة وادي لو راية اللواء الأزرق لسنوات متتالية، وهذا ما يدل على الالتزام المستمر بالمقاييس الدولية في جودة المياه والبيئة والخدمات السياحية.
ويُسجَّل في هذا السياق الدور الذي لعبه الراحل محمد الملاحي، الذي مثّل إقليم تطوان بمجلس النواب لولايتين تشريعيتين (2012-2016 و2016-2021)، إلى جانب الزيارات الملكية الثلاث لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، والتي شكّلت دفعة قوية لمسار التنمية بالمدينة، وأسهمت في انتقالها من قرية ساحلية مهمّشة إلى مدينة تنافس عدداً من المدن الساحلية الكبرى.
غير أن هذا المسار عرف، في السنوات الأخيرة، تراجعاً مقلقاً على مختلف المستويات. فقد باتت المدينة تعاني من ركود اقتصادي واضح، وهجرة متزايدة في صفوف الشباب، وندرة فرص الشغل خارج الموسم الصيفي، إلى جانب تراجع الإشعاع الثقافي والإعلامي الذي كانت تحظى به سابقاً.
ويُسجَّل، في السياق ذاته، توقف شبه تام لوتيرة تطوير البنيات التحتية وتهيئة عدد من الأحياء، إلى جانب غياب أي تعاطٍ جدي مع إشكالية تأهيل الأحواض المائية، وعدم تزويد المدينة بشبكة ناجعة لتصريف مياه الأمطار، وهو ما يجعل وادي لو من بين أكثر المناطق عرضة لمخاطر الفيضانات، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي باتت تهدد السلامة البيئية والعمرانية للمدينة.
ويرجع هذا الوضع، بحسب متتبعين للشأن المحلي، إلى غياب الفاعل السياسي الفعّال بعد رحيل الرئيس السابق، ودخول المدينة مرحلة انتقالية أفرزت مجلساً جماعياً ضعيف الانسجام، تغلب عليه الخلافات الشخصية، وقلة الخبرة والتكوين، فضلاً عن تغليب المصالح الضيقة وتنامي تأثير فاعلين غير منتخبين في القرار المحلي.
اليوم، تقف وادي لو عند مفترق طرق حاسم: فإما استعادة روح التدبير الجاد، وصياغة رؤية تنموية واضحة تُشرك الفاعلين المحليين وتستثمر المؤهلات الطبيعية والبشرية للمدينة، أو الاستمرار في حالة الجمود، بما يحمله ذلك من مخاطر حقيقية على مستقبل مدينة كانت إلى وقت قريب نموذجاً للتحول الإيجابي بالساحل الشمالي.

