متابعة تطوان 44
أسدلت محكمة النقض الستار على واحد من أعقد النزاعات العقارية التي عرفتها مدينة طنجة منذ مدة بعدما أكدت في قرار قضائي نهائي أن كل تصرف مبني على عقد مزور يُعد باطلاً ولا يمكن أن يستفيد أصحابه من مبدأ حسن النية أو من قوة التسجيل بالرسم العقاري مكرسة بذلك اجتهاداً قضائياً صارماً في مواجهة التزوير والتحايل في المعاملات العقارية.
وتعود فصول القضية إلى سنوات خلت، حين تفجّر نزاع حول عقار موضوع رسم عقاري بعد أن بادرت إحدى الأطراف إلى تسجيل عقد شراء بالرسم العقاري، استناداً إلى سند تملك تبيّن لاحقاً بمقتضى حكم جنائي نهائي أنه مزور وهو ما دفع المالكة الأصلية إلى اللجوء إلى القضاء للطعن في صحة التسجيل والمطالبة بالتشطيب عليه.
القضية لم تكن مجرد خلاف مدني عابر بل كشفت عن تورط أحد الأطراف في تزوير محرر رسمي واستعماله، وهو ما انتهت إليه المحكمة الجنحية التي أصدرت حكماً بالإدانة قضى بسجن المتهم ومعاقبته بغرامة مالية مع ترتيب الآثار القانونية عن هذا الفعل الجرمي.
محكمة الاستئناف بطنجة التي عرض عليها النزاع لاحقاً أيّدت الحكم الابتدائي القاضي ببطلان عقد البيع والتشطيب عليه من الرسم العقاري معتبرة أن ما بني على باطل فهو باطل وأن التسجيل العقاري وإن كان يتمتع بقوة ثبوتية، لا يمكن أن يحمي تصرفاً مؤسساً على عقد ثبت تزويره بحكم قضائي نهائي.
غير أن القضية ستأخذ بعداً قانونياً أعمق أمام محكمة النقض خاصة بعد تمسك الطاعنة بمبدأ حسن النية وقوة الفصل 66 من قانون التحفيظ العقاري في محاولة لتحصين التسجيل بالرسم العقاري من أي طعن لاحق.
محكمة النقض وهي تبسط رقابتها القانونية على الملف حسمت الجدل بشكل واضح مؤكدة أن مبدأ حسن النية لا يُحتج به إذا كان عقد الشراء نفسه مبنياً على زور ثابت بحكم قضائي وأن قوة الرسم العقاري لا تمتد إلى تصرفات ثبت فساد أساسها كما شددت المحكمة على أن المحكمة المحال عليها النزاع ملزمة بالتقيد بالنقطة القانونية التي بتّ فيها المجلس الأعلى سابقاً طبقاً لمقتضيات الفصل 369 من قانون المسطرة المدنية.
وسجل القرار أن محاولة إعادة تكييف الوقائع أو الالتفاف على ما انتهى إليه القضاء الجنائي يُعد خرقاً صريحاً للقانون ويعرّض الأحكام الصادرة للنقض والإبطال خاصة حين يتعلق الأمر بحماية الملكية العقارية من التزوير والتدليس.
بهذا القرار تكون محكمة النقض قد وجهت رسالة واضحة مفادها أن التسجيل العقاري ليس ملاذاً آمناً لتبييض العقود المزورة وأن القضاء المغربي ماضٍ في تشديد الرقابة على المعاملات العقارية حمايةً للأمن العقاري وصوناً لحقوق المالكين الحقيقيين، وترسيخاً لسيادة القانون.
قرار يُعد سابقة قضائية ذات دلالة ويعكس توجهاً قضائياً حازماً في مواجهة شبكات التزوير والاستيلاء غير المشروع على العقارات خصوصاً في المدن التي تعرف ضغطاً عقارياً متزايداً من بينها طنجة و تطوان ومدن انتشر فيها تجارة العقار وجد بعض الأشخاص ملاذا للاستيلاء و التزوير سبيلا لممارسة افعالهم الخارجة عن القانون،
ويأتي هذا المقال في سياق الاستناد إلى اجتهادات وقرارات قضائية شجاعة أنصفت الأطراف المتضررة من جرائم التزوير في المجال العقاري وكرّست مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بعيداً عن أي تأويل موسّع لمفهوم حسن النية أو استغلال شكلي لمقتضيات التسجيل العقاري كما يهدف إلى إبراز الدور المحوري للقضاء في حماية الأمن العقاري وصون حقوق المالكين الحقيقيين والتصدي لكل محاولات التحايل والالتفاف على القانون عبر عقود ثبت فساد أساسها بحكم قضائي نهائي.

