تطوان44: نزار القريشي
إنَّ الذكاء الإستراتيجي للرئيس “فلاديمر بوتن” بصفته قادما لحكم روسيا الاتحادية من مجتمع الاستخبارات الروسي، وبعد محاولة الناتو المتكررة و الهادفة لتطويق بلاده عسكريا، وبعد أيضا ما تمخض عنه ذلك ، على الساحة الأوكرانية، وقبله تفكيك الغرب الأنجلوساكسوني للاتحاد السوفياتي، هو ما أعطى لموسكو دوافع قوية نحو أفق و طموح جديد، إذ زاد ذلك بالنسبة لروسيا من إمكانية تحسينها لشروط تقاسم مجالات النفوذ مع الولايات المتحدة الأمريكية و الصين و بريطانيا العظمى، بعد حصولها على فائض قوة إضافي، و ذلك بعد صمودها الملحوظ في مواجهة ” الناتو”. مما يؤهل “الكريملين” لتوزيع أدوار إقليمية ودولية، و لكن في نطاق المجال النفوذي له، و في ظل مجلس إدارة لحكم العالم ، سيتبلور بعد انتهاء الحرب بأوكرانيا و الحرب بغزة و التطورات اللاحقة ببحر الصين الجنوبي. هذا ، ويمكن للأزمات المالية و التضخم العالمي، إن لم يتم ضبطه عبر تخفيض مستوياته، أن يدفع بالاقتصاديين الدوليين لاستدعاء حروب أخرى جديدة ، إذ من المتوقع أن تؤول هذه الصراعات، إلى تفاهمات حول تشكيل مجلس إدارة لحكم العالم، حيث من المرحج حسب ما سرّب أن يكون مقره بلندن أو نيويورك أو طنجة.
و في سياق حاجة بعض الأطراف الدولية لموسكو، اتضحت مؤخرا الرغبة و الضرورة الملحة لأنقرة في الحصول على التقنية النووية الروسية الجاهزة، إذ من المؤكد أن ذلك من شأنه أن يعرقل مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي تسعى إليه واشنطن و لندن وباريس، وبخاصة و الحديث الجاري من داخل أروقة البنتاغون ، و مكاتب ال “دي أي إي” عن مدى إمكانية ضرب اليمن بالسلاح النووي، مع حساب المنافع و الأخطار، إذ أكدت النقاشات حول هذا الموضوع، أن ذلك سيترتب عنه، إعلان إيران عن نفسها دولة نووية، لأنَّ تقديرات دقيقة تؤكد أن اليورانيوم النقي المخصب بدرجة 90 في المائة، والذي بحوزة طهران يمكنها من صنع 5 إلى 6 قنابل نووية بكتلة حرجة ، بعد المساعدة التقنية التي قدمتها “بيونغ يانغ” حول التصاميم بشأن هذه القنابل النووية.
لذلك يتضح أن التفكير في ضرب اليمن بالنووي ، سيدفع بطهران لإعلان إتمام مشروعها النووي، و الانخراط السريع في صنعها لقنابل نووية، يضاف إلى ذلك استمرار انزعاج و استياء الحرس الثوري الإيراني من رغبة دول الإقليم في القضاء على حلفائه بالمنطقة، وهو ما يؤكد من جانب آخر هشاشة الاتفاق السعودي- الإيراني، بعد تنامي اللاتقاطعات في المصالح و العقيدة العسكرية ما بين الرياض و طهران . فالتفاهمات الجارية بالإقليم بين تل أبيب وشركائها، بخصوص المحاولات الجادة للقضاء على حماس ومن ثم حزب الله، هو ما سيدفع بانكماش فائض القوة الإيراني، وسيدفع حتما بخامنئي للإسراع بإعلان بلاده دولة ضمن النادي النووي، وذلك لتأمين الجمهورية الإسلامية الإيرانية من التهديدات الأمريكية و الإسرائيلية التي قد تطالها. إذ أن التطورات السريعة بالشرق الأوسط، و الحديث عن إمكانية ركوب كل من قطر و إندونيسيا و السعودية لقطار التطبيع، والذي قد يعمل على ترسيخ مشروع الشرق الأوسط الجديد، و هو ما دأبت على الاشتغال عليه استخبارات “دي أي إي” بتعاون مع وكالة المخابرات المركزية، و بتنسيق مع “إم أي 6 ” و “إي إس إي “منذ إدارة الجمهوري جورج دبليو بوش . لذلك تبين أن الرغبة التركية بالحصول على السلاح النووي الروسي، بعد تنامي التضييق الممنهج الذي تتعرض له تركيا بشكل مستمر، يحيل إلى الأذهان خطورة و مخاطر انتشار السلاح النووي، و هو ما يدعو كل الأطراف النووية التسع للانخراط في معاهدة ستارت 2، وذلك للحد من انتشار الأسلحة النووية ، خصوصا والأخطار التي قد تنتج عن انتشارها في مساحة الخريطة الممتدة بين باكستان و إيران و أفغانستان، بعد تعمد أمريكا تركها أسلحة تصل قيمتها إلى 160 مليارا من الدولارات على الأراضي الأفغانية، والتي كان الهدف منها التعزيز من فرص أفغانستان في مواجهة إسلام أباد و طهران ،وذلك لإشعال موقد الفتنة بهذه المنطقة بين الدول الإسلامية الثلاث، غير أن ذلك قد يشعل المنطقة و ما بعدها امتدادا لروسيا و الهندوالصين وإلى المملكة المتحدة ، و فامتدادا كذلك لفرنسا و ألمانيا، و ذلك من أسباب نواتج الحسابات الإستراتيجية الخاطئة غير محسومة العواقب، خططت لها واشنطن نتجت عن حساباتها ضيقة الأفق، وقد تمتد لحسابات أوسع و غير محدودة وخارجة عن السيطرة . لأن من المؤكد أن مخاطرها قد ترفع من درجات مستوى الإرهاب الدولي العابر للقارات، و الذي سترفض باكستان ودول أخرى متضررة التعاون بشأنه، وهو ما اتضح و المناوشات الأخيرة بين باكستان و إيران و أفغانستان و باكستان و بين إيران و أفغانستان . إذ تزيد هذه الصراعات من فرص و إمكانية حصول الجماعات الموصوفة بالإرهابية ،على بعض من منتجات السلاح النووي ذات الإشعاع العالي في ظل المختبرات و العلاقات التي تمتلكها هذه الجماعات من داخل مساحة المنطقة المذكورة. والمعروفة بتضاريس جغرافيتها الوعرة، و التي استعصت على جيوش دول عظمى.
في السياق ذاته، فإن الدفع بالمشروع النووي الإيراني إلى نهايته ، وتتويجه بصناعة إيران للقنابل النووية، إن استمرت حرب غزة، و التهديد الذي يطال لبنان و اليمن وسوريا و العراق ، هو ما سيدفع بالتأكيد نحو صراع دولي خطير غير متحكم في نطاقاته ، لأن المحاولات الجارية للقضاء على حماس و حزب الله تؤكد صواب هذه القراءة، التي تنذر بتمدد هذا الصراع الدولي، وهو ما سيفشل الخرائط الجيو سياسية للغرب ، وهو ما أدى سابقا لانتقال الحرب من أوكرانيا و امتدادها نحو غزة، و بنفس اللاعبين الدوليين الذين شاهدناهم في الملعب الأوكراني، مما سيعيد نفس اللاعبين للعب في بحر بحر الصين الجنوبي إزاء أي تطور تقدم عليه بكين. لأن العالم في ظل هذه الفوضى و خاصة التي يسعى إليها اللوبي الصهيوني و من وراءه أمريكا ،أصبح في حاجة ملحة لحرب كبرى، حيث أصبحت هذه الحرب ضرورة من ضرورات المرحلة، في ظل الفوضى السائدة التي يبثها كابينت الحرب الإسرائيلي، وذلك لضمان فرض الدول العظمى والإقليمية لخريطة جيوسياسية متفاوض و متوافق عليها،وهو ما تسعى إليه الدول العظمى المتصارعة مع الغرب كروسيا و الصين و إيران و تركيا، و ذلك للتحسين من شروط تفاوضها مع هذا الغرب، ليتمخض عن ذلك ولادة مجلس إدارة لحكم العالم، يستطيع لملمة الصراعات وضبطها، و يستطيع أيضا توزيع مجالات النفوذ و ويفرض تقاسم عادل للموارد و الثروات و الخرائط. فإلى حين ذلك، يظل صراع الشرق الأوسط اللامتناهي و الحرب الأوكرانية و التطور المحتمل ببحر الصين الجنوبي ، دافعا للأطراف المتصارعة للحصول على المزيد من فرص تحسين شروط التفاوض تلك ، وهو ما سيدفع بعواصم مهمة كلندن و واشنطن و بكين و موسكو و باريس و نيودلهي و أنقرة وطهران ، للبحث في محاولات جادة عن حلفاء حقيقيين و استراتيجيين، يدعمون المرحلة بالنسبة لهم للمساعدة في تشكيل نظام عالمي جديد ، ومعه خريطة جيوسياسة واقتصادية جديدة، تنهي الفوضى العارمة و السائدة، و التي أصبحت أمرا غير مقبول، إذ هذا ما أعطى وسمح لدول متوسطة و صغيرة الكثير من فرص اقتماصهم و لعبهم لأدوار الكبار، و ساهم في تكريس الفوضى، في زمن هذا الفراغ دولي، والذي بات يجب ملؤه، لأن السياسة مثل الطبيعة تأبى الفراغ، وهو مما لاشك فيه ما سيساهم في هندسة نظام عالمي قد يستمر إلى حدود 3 قرون القادمة.

