تطوان44: نزار القريشي
إنَّ عملية طوفان الأقصى ، التي جاءت في سياق الضغط الإسرائيلي، على قطاع غزة وحصاره لها، والتي كان من بين أهدافها تعطيل التطبيع القطري و الإندونيسي و السعودي، أبانت وفق التطورات التي تشهدها المنطقة عن مخاطر لم تكن ضمن حسابات الأخطار الناتجة عنها، مما أثار الشكوك حول عدم علم استخبارات الشاباك أو الموساد بأحداثها. حيث تفيد التسريبات من داخل مجتمع الاستخبارات أن ايهود باراك الذي يتزعم الجهاز غير الشرعي أو الدولة العميقة داخل إسرائيل،كان لديه علم بتفاصيل العملية ، إذ أن السماح بتمرير هكذا عملية و نجاحها، هو ما تنم عنه الغاية من وراءها، فما شهدناه على الساحة بقطاع غزة، وامتداد ذلك للتطورات على الحدود برفح .هو أيضا ما أوضح أن السماح بنجاح هذه العملية العسكرية ، كان من أجل أن تجد تل أبيب مبررا لإجهاض القضية الفلسطينية ، وإبادة سكان القطاع،و هو ما لوحظ وسياسة التجويع و القتل الممنهج الذي يطالهم . بعد الصفقة السوداء التي تمت بين اللجنة العسكرية المشتركة للجيشين الإسرائيلي و المصري، وهو ما أبان عن قدرة رؤوس الأموال الكبرى في شراء المواقف و السياسات، وذلك بعد تحويل مصر لشركة كبرى بيد الجيش، إذ يؤكد ذلك أن المصالح الاقتصادية أصبحت هي المتحكم الأول في السياسة و تقاطعاتها، حيث تسرب أن الصفقة تمت عبر تحفيزات قدمت للقاهرة تتضمن إلغاء الديون المتراكمة على مصر بصندوق النقد الدولي.
إلى ذلك، و أمام هذه التطورات. أصبح الهدف الأول لدول الإقليم هو طرد حماس و الفصائل من غزة، خصوصا بعد عرقلتهم و تأخيرهم لمسار التطبيع بين إسرائيل و الدول العربية التي أرادت ركوب قطار اتفاقات أبراهام. لأن عرب المنطقة أصبحوا مهيئين لتطبيع شامل، بعد تجاوز مرحلة القومية العربية و الدين، وهو ما يؤشر إلى تصفية القضية الفلسطينية وحق الدولتين، و يكرس مشروع اليمين المتطرف المتمثل في دولة واحدة للشعب اليهودي فقط، و هو ما يبلوره الإقليم الذي بات يعتبر أن القضية الفلسطينية صارت عبئا عليه، ومعرقلة لتنمية بلدانه، وهو أيضا من جانب آخر، ما لم تنتبه إليه المقاومة الفلسطينية قبل الإقدام على عملية 7 أكتوبر، حيث إن تفاصيل صفقة القرن، كانت واضحة المعالم بعد تسريب كل أوراقها.
وفي السياق ذاته، فإن ما ترتب عن 7 أكتوبر، هو ما يبرر الأهداف السالفة الذكر ، وهو ما كرسه النظام المصري، على لسان وزير خارجيته سامح شكري عندما قال في إحدى تصريحاته ذات صلة بالموضوع:” إن اتفاقية كامب ديفيد وجدت لتبقى”. لذلك إن سير و مجرى الأحداث من داخل قطاع غزة إلى تطوره برفح يستهدف إخلاء القطاع من سكانه و تهجيرهم ، مما يترتب عنه الانقلاب على حكم منظمة حركة “حماس” بقطاع غزة، و المجيء بحكم السلطة الفلسطينية عليه مؤقتا ، عبر تقسيم إداري و كانتون يربطه بالضفة، تحكمه دولة إسرائيل و يلغي مبدأ الدولتين، المرفوض من حزب الليكود و الأجهزة الإستخبارية و الجيش بإسرائيل. وهو ما سيؤهل القطاع للمرحلة الموالية، من مدخلات صفقة القرن التي هي اندماج غزة و الضفة مع إسرائيل لاستكمال مشروع الدولة الواحدة وهو من مخرجات هذه الصفقة كما قلنا . إذ يؤكد ذلك انصهار الإقليم مع رؤية وليام برنز مدير المخابرات المركزية الأمريكية، وعباس كامل مدير المخابرات العامة، بالدفع بمقاتلي حماس و الفصائل في النهاية للهروب نحو سيناء، ومن تم تصفيتهم عسكريا تحت لافتة العنوان القديم المعروف بالحرب على الإرهاب، و هو مفهوم برز للوجود مع ظهور نظام القطبية اللأحادية بداية هذا القرن و الحرب التي شنت على الإسلام و النبي محمد .
فالتطورات السياسية و العسكرية القادمة ،على صعيد رفح باتجاه القضاء على الفصائل الفلسطينية وحماس ، قد تدفع بالمقاومة إلى تغيير أساليب اشتباكها ضد الجيش الإسرائيلي و إلى نهج الأسلوب “الكاميكازي” كما أشيع على السوشل ميديا، وذلك كسبيل لعرقلة الطموحات الإقليمية، وبعثرت أوراقها. خصوصا و أن الدور القادم سيأتي على “حزب الله” و إيران بعد محاولة القضاء على حماس ، و الذي سيتزامن مع محاولات جادة لطرد الروس من الشرق الأوسط. إذ ستشتغل استخبارات”دي أي إي ” من داخل سينتكوم ضد الوجود الروسي بطرطوس ، مع محاولات جارية لتثبيت تقسيم سوريا، عبر تجديد و إثارة الفوضى بها، وهو ما سيشوش على التفاهمات بالشرق الأوسط، بعد مرحلة رجب طيب أردوغان كرئيس لتركيا إذا لم يفز حزب “العدالة و التنمية” بالانتخابات الرئاسية لسنة 2028م .وذلك لتجاوز نجاح أردوغان في عزله لإسرائيل. غير أن بروز القطب الصيني –الروسي بعد حرب أوكرانيا، و التطور المحتمل ببحر الصين الجنوبي، والذي قد يقدم عليه الجيش الصيني ضد تايبي لاستعادة تايوان للوطن الأم، هو ما سيدفع بتطور جديد على الساحة الدولية، و ارتباط ذلك بالتضييق الذي ستمارسه “سنتكوم” ضد الوجود الروسي بطرطوس بصفة خاصة و الوجود الروسي بالشرق الأوسط و البحار بصفة عامة. إذ ستجد موسكو نفسها معزولة دوليا إن نحج الغرب في عزلها عن بكين، في ظل صراعها المحتدم مع أمريكا و بريطانيا، وذلك بعد المحاولات الجارية للقضاء على إيران من خلال القضاء على أدواتها بالمنطقة، وتخريبها داخليا عبر ما يندرج تحت مسمى برامج الفوضى الخلاقة، والتي أفشلها النظام الإيراني كلما تكررت. لذلك يرى الغرب في تجاوز مرحلة أردوغان رئيسا لتركيا، تجاوزا للصراع حول البحر الأسود و بحر قزوين و الداردنيل و البلطيق مرورا لغرب و شرق المتوسط إلى باب المندب و خليج عدن و البحر الهادي فالبحر الأحمر ، مما يزيد من أهمية البحار في البعد الجيوبوليتيك للنظام العالمي الجديد الذي بدأت تتشكل ملامح خرائطه و تجلياتها. إذ تؤكد مراكز الأبحاث الدولية التى تعنى بالدراسات العميقة لتطور الدول و نموها صعود أقطاب دولية جديدة على المدى المتوسط و البعيد و البعيد جدا، حيث سيعرف العالم بزوغ الأقطاب التالية:
-القطب الأنجلوساكسوني و إسرائيل
-القطب الصيني و الروسي و الإيراني
-القطب الهندي
-القطب التركي
-القطب الياباني والإندونيسي و الكوري
-القطب السعودي والإماراتي و المصري
– القطب الإسباني و المغربي
-القطب البرازيلي
من جانب آخر ، تؤكد هذه الدراسات الإستراتيجية ، نجاح تبادل الأدوار بين أحلاف المكون الأنجلوساكسوني، وحفاظه على مكانته الريادية بالعالم، والذي سيتم عبر دعم رؤوس أموال العائلات الكبرى له ، و التي تسيطر على اقتصاد العالم، و التي أيضا تشكل فيما بينها مجموعة بلدربيرغ و اللجنة الثلاثية اللتين تديران العالم من داخل جماعة المتنورين عبر تعاونها مع حضارات ذكية حيث توكل لتجمع البنائين الأحرار في العالم، توزيع المهام و السياسات على الشركات الكبرى و الجيوش و الساسة و الإعلام. إذ تؤكد التطورات الجارية منذ بداية هذا القرن، والنقاش الدولي العام حول تحديث النظام العالمي، و تمرير خرائطه الجيو سياسية الجديدة، تثبيت عملية اندماج الأحلاف و انقسامها على الأقطاب المتعددة على المدى المتوسط و البعيد و البعيد جدا، مما يفتح أفق السياسة وتطوراتها على أحداث وصراعات قادمة تغذيها اللاتقاطعات في المصالح الاقتصادية و العقائد العسكرية، ستشمل القارة الآسيوية و الأوروبية و الأفريقية و اللاتينية ، في ظل المتضادات التي ينتجها علم السياسية، بما ينطوي عليه ذلك من مصالح إستراتيجية و ما يتعارض منها،. إلى ذلك، سيظل عنوان المرحلة القادمة هو الصراع المفتوح بين التجمع الأنجلوساكسوني وحلفاءه، والتجمع الصيني- الروسي و حلفاءه.
في انتظار معرفة هل ينجح طرف من الطرفين في إخضاع الطرف الآخر؟ مما قد يترتب عنه نظام عالمي جديد وبخرائط جديدة غير متوقعة.


