تطوان44: نزار القريشي
إنَّ بدايات الفلسفة، التي أُعلنت بدء و ظهور الوثائق الإغريقية، التي سبقت ظهور الديانات، و التي بدورها تم التلاعب في مخطوطاتها و تحريفها، بغية إقناعنا بمفهوم الشر كمخلص للبشرية، مرورا لتطور أفكار و أطروحات هذه الفلسفات، من العهد القديم، إلى أوجها الذي عرفناه بالعصر الوسيط، عبر الحكيم سقراط إلى تلميذه أفلاطون فأرسطو.
وذلك، إلى غاية إعلان موت الفلسفات المنطقية كلّها، بمجيء الفيلسوف “فريدريك نيتشه”، الذي يعتبر مخبريا أنه كان مجنونا بسبب تطور إصابته بمرض داء الزهري ، حيث اتضحت عليه أعراض هذا المرض في المراحل الأولى من فترة شبابه، وهو ما انعكس على أفكاره الفلسفية التي انقلبت على أفكار الفلسفة اليونانية التقليدية، فأحدثت أفكاره تغييرا فلسفيا يتعارض مع المنطق و أساس الحكمة، باعتبار الفلسفة هي محبة الحكمة لذاتها، و البحث عن الحقيقة، والنظر العقلي في الموجودات، إذ تندرج في مفهومها العام ضمن علم الكليات. فجاء نيتشه و أزاح مفهوم الاستدلال اللغوي عن معناه القصدي، وقام بفصل الاسم عن المسمى، ليكرس معه انفصال الدال عن المدلول، وحوّل المعنى من معناه إلى معنى غير مركزي،ليصير المطلق نسبيا،و هو بذلك يكون قد اغتال الحقيقة، بدعوى أنها متحركة و غير ثابتة، وهو ما جعله يقدّم القوة و يؤخر المعرفة عنها، غير أن معرفة الحقيقة أو الحقيقة المعروفة هي الأشياء من حيث ارتباطها بموضوعها،فتقديمه للقوة على المعرفة، باعتبار القوة مصدر المعرفة،وطبعا –حسب رأيه- هو ما أنتج معه الفكر الغربي تاريخه الكولونيالي،حيث لقي هذا الفكر الاستعماري مقاومة صارمة تجاه أفكاره، من الدول و الشعوب المُسْتَعْمَرَة، وهو ما تطور النقاش بشأنه مع فلاسفة ما بعد الحداثة، مع تيارين أساسيين لهذه الحركة الفلسفية المتمثلة في “جاك دريدا” و “فوكو”، حيث استخدم دريدا مفهوم التفكيك بمعناه الجديد في الفلسفة من أجل الفهم الحقيقي لمكانة الإنسان في العالم، فأزاحه عن موقعه المركزي بعيدا ، وهو ما دفع ب ” هابرماس” لاتهامه بالظلامية و العبثية و تعمد الغموض. غير أن “فوكو” من جهته، وبعد تأثره بالبنيوية، درس و حلل تاريخ الجنون، في كتابه ” تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”، مما أهلّه لابتكار مصطلح “أركيولوجية المعرفة”.
إلى ذلك، إن ظهور فلسفة نيتشه الجنونية، التي كانت بمثابة مصطبة بنى الغرب عليها مجده، تكون مع نهاية مراحل سقوف تطورها، قد أعلنت معها موت كلّ الفلسفات، فبعد إفلاس الرأسمالية باعتبارها نمط اقتصادي متوغل في التوحش، هو ما أدى بنا كمجتمع ثقافي و علمي لمعرفة حقيقة خباياالنيوليبرالية، التي برزت مع عصر تعدد الأنماط الاستهلاكية، للوصول إلى حكم الشركات، وذلك لضمان استمرار هذا النمط الاقتصادي، وهو ما أدى أيضا إلى المحاولات الجارية لتحقيق التخفيض السكاني، والذي تأكد أنه لن يطال دول التجمع الأنجلوساكسوني، و أوروبا الغربية، حيث حملت الرأسمالية ذنبها للإنسانية،مرغمة إياها على السقوط، وهذه الحروب الطائشة. وهو أحد أقصى مظاهر توحش الليبرالية، و الجديد التي جاءت به،بعد فترات الاستغلال الامبريالي للمُستعمرات، لذلك لم يتبق للفكر والعقل الغربي من أوراق، سوى ما يتمثل في محاولاته الحثيثة لتكريس “التفاهة”، وهو ما شمله بالبحث كتاب ” نظام التفاهة” للكاتب آلان دونو. في محاولة بحثية عميقة يُستشف منها خطورة تغييب الوعي الجمعي لأمم و حضارات إنسانية عريقة في التاريخ.
إلى ذلك، و في سياق مختلف ابتكر الفكر الغربي مصطلح ” الشعبوية”، للدفاع و التغطية على نخبه الفاسدة ، التي استحوذت على مدخرات الشعوب و الأوطان، وهو ما بدأ مع الفترة الاستعمارية كما قلنا، و استمر معه هذا الشأن إلى ما بعدها. وهو أيضا ما نشهده حاليا في سياق الصراع الدولي الجاري حول آسيا و الشرق الأوسط و أفريقيا، تحاول الدول من خلاله الدفاع عن مصالحها و حقوقها الخاصة. من أجل نظام عالمي جديد يكون أكثر عدلا، وبخرائط تسمح باقتسام عادل للثروات، بعدما تسبب نظام الأحادية القطبية بتركيز ثروات كلّ الكوكب، بيد خمس عائلات كبرى، إذ على ذلك يتأسس الصراع، الذي نشهده اليوم والذي لن ينتهي، إلا بإقرار خرائط جيوسياسية جديدة، تساهم في تشكيل نظام عالمي جديد، و بفلسفة جديدة.


