بقلم نزار القريشي
إنَّ إخضاع القرارات التي تصدر من طهران للتحليل النفسي ، وفق ما تقتضيه خوارزميات العقل، في إطار مجموعة من الخطوات الرياضية و المنطقية و المتسلسلة اللازمة لحل مشكلات منطقة الشرق الأوسط ذات الصلة بالإقليم و إيران، عبر فهم عميق لها.
فإنه يتضح جليا أن سياسة إيران بالمنطقة لا تسعى سوى للحفاظ على نظامها القائم، خوفا من أي تغيير قد يطال مؤسساته عبر تدخل خارجي، وهو منطق الردع الذي تسعى إليه إيران لخدمة مصلحتها الخاصة، و بعد الرغبة الواضحة للنظام السوري في إعادة تموضع دمشق في محيطها العربي و الإقليمي، و المتزامن مع رغبتها في إنهاء الوجود الأجنبي على أراضيها، وهو ما اتضح بعد تحديد الإحداثيات المتعلقة بالقنصلية الإيرانية من داخل سوريا وإعطاءها لوحدة الاستخبارات داخل الجيش الإسرائيلي ” أمان”.
و بعد تحذيرات ” البنتاغون” لإيران بخصوص إقدامها المحتمل على أي رد فعل ، وبعد طمأنة طهران لواشنطن عبر خط الاتصال المفتوح بين العاصمتين، على أن أي رد ستقوم به إيران عبر وكلائها، لن يتجاوز رد فعلها عن مقتل الجنرال سليماني، حيث كان الجيش الإيراني قد أخبر “البنتاغون” باستهدافه للقاعدة الأمريكية بالعراق قبل استهدافها ب 18 ساعة من وقوع الهجوم عليها ، وذلك في إطار سعي إيران للحفاظ على ماء وجهها بالمنطقة و أمام حلفائها. غَيْرَ أنَّ احتمال دفع إيران بحزب “الله” إلى حرب ضد إسرائيل، تنم عن الحاجة لاستنزاف سلاح الحزب و التخلص منه ، بعد الخطوات الجارية ضد منظمة حماس و الفصائل الفلسطينية، وهو ما كشفناه في مقال سابق نشرناه ب “رأي اليوم” حمل عنوان ” اللعبة الكبرى بالشرق الأوسط بين الحرب و السلم”، وهو ما يندرج ضمن ترتيبات المرحلة بالإقليم و المراحل التي تليها. فالخطة التي أعطيت لحزب “الله” بالتوغل نحو ” الجليل”، في حال إن تمت تضمن لإسرائيل امتصاص هذه الضربة، عبر الدعم الأممي الذي ستتلقاه من داخل أروقة الأمم المتحدة، إذ سيحاصر الحزب خارجيا و قبله داخليا وقد يتم إنهاءه عبر حصار الغرب للبنان ، وذلك بعد المحاولات الجارية لإنهاء وجود حماس، و الفصائل الفلسطينية بقطاع غزة.
غير أن انتفاء حاجة إيران لأدواتها بالمنطقة، بعد التحفيزات المُقَدمة لها من واشنطن، من خلال ما تسرب من مديرية المخابرات الخارجية الفرنسية، عن الاجتماعات السرية غير المعلنة التي تجريها الولايات المتحدة الأمريكية مع الإيرانيين داخل مبنى سفارة إيران بالعاصمة المجرية “بودابست”، فإن الشأن قد لا يكون كذلك بالنسبة لروسيا والصين على المدى القصير في ظل استمرار حرب أوكرانيا، والتطور المحتمل ببحر الصين الجنوبي قيد الانتظار، إذ سترى موسكو و بكين ضرورة إبقاء إيران و أدواتها في تموضعهم الحالي على المدى القصير،لاستغلالهم كورقة إزاء أي تطور ببحر الصين الجنوبي و استمرار حرب أوكرانيا ،وذلك لضمان التشويش على الجيش الأمريكي وتشتيت جهوده، إذ الحاجة الروسية و الصينية لإيران و و وكلائها ، قد تحسم في صحتها من عدمها الأيام المقبلة، المتزامنة مع وضع الحرب بأوكرانيا، و الصدام المحتمل بين الجيشين الصيني و الأمريكي، الذي قد يشهده شرق آسيا بمنطقة بحر الصين الجنوبي، وهو ما قد يعزل روسيا عن الصين إن تم إنهاء الحرب الأوكرانية قبله.
إلى ذلك، إن التطورات الإقليمية و الدولية، في غضون 4 سنوات القادمة، ستعيد ترتيب أوراق الشرق الأوسط، وفق أولويات لندن و واشنطن ، بعدما تأكد عدم ترشح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لانتخابات الرئاسة التركية سنة 2028، هذا إن استمر في إتمام ولايته الرئاسية الحالية، إذ تأكد بعد الخسائر التي تعرض لها حزب “العدالة و التنمية” في الانتخابات المحلية مؤخرا،عودة محتملة لتركيا إلى وضعها السابق الذي كان قبل مجيء أردوغان للحكم فيها. بموزاة مع ذلك، سنشهد انكماش لأدوات إيران بالمنطقة، بعد انتفاء الحاجة الإيرانية لهم ، التي ستقدم المصلحة الخاصة الإيرانية على أي خطوات لصالح هذه الأدوات، لذلك ففي ظل تغيير المواقع الذي سيشهده الإقليم على خارطته، سيبرز دور إقليمي و دولي هام للعربية السعودية بعد مجيء محمد بن سلمان ملكا عليها، إذ سيملئ الفراغ الذي أحدثه تراجع القاهرة عن دورها السابق ، وهو تكتيك عربي-عربي لتبادل الأدوار لخدمة المراحل القادمة، ومصالح المنطقة العربية وحلفائها .
و بالعودة للأحداث الجارية و التطورات بالشرق الأوسط ،فإن الحرب المحتملة بين حزب “الله” و إسرائيل، قد تكون آخر حرب للجيش الإسرائيلي بمحيطه، مما يؤهل إسرائيل للتمدد جنوبا نحو القرن الإفريقي وباب المندب، باتجاه المحيط الهندي فأستراليا، وغربا نحو أوروبا، و شمالا نحو آسيا عبر طريق خط التجارة الجديد المنطلق من موانئها إلى الإمارات العربية فالهند فأوروبا ، وهو ما يتطلب معه إيجاد حل للأزمة السورية، وإنهاء الوجود الأجنبي على أراضيها، وإعادة تأهيل النظام السوري عبر إطلاق المبادرات العربية المشتركة لحلحلة هذه الأزمة،إذ أن إعادة تموضع سوريا في الإقليم، هي رغبة للقيادة السورية أولا و أخيرا.
إلى ذلك ، تبقى المقاربات و الأطروحات الخاصة بالملفات المذكورة ، في سياق موضوع نقاشنا هذا، مجرد رياضة ذهنية قبل تأكيدها من عدمه ،وذلك بعد معرفة اسم سيد “البيت الأبيض” القادم، والذي من المؤكد أنه لن يدخل البيت الأبيض يوم 20 يناير من سنة 2025 م ،إلاَّ بدعم من مؤسسة “أيباك”، وقبلها دعم قصر”بكنغهام”، حيث تختلف الأولويات بين الحزبين الجمهوري و الديمقراطي، غير أن تفاصيل الاستراتيجيات تبقى ثابتة داخل أروقة البنتاغون و لا تتغير. إذ على ذلك تجري الأمور نحو رسمها لخرائط جديدة ، لتحديث النظام العالمي نحو نظام جديد، وذلك بموازاة مع التخفيض السكاني المحتمل، والذي تم تأجيله و تغيير موعده من سنة 2025 إلى سنة 2030 ، حيث سيتم بتاريخه الإعلان عن خرائط النظام العالمي الجديد، إذ على ذلك يتنافس الكبار و مجريات الأحداث الحالية، وهي ترتيبات مرحلية لخدمة المراحل القادمة، على المدى البعيد بالنسبة لكل الدول العظمى.


