تطوان44: بقلم محمد مسيح
سؤال كيف تحكم أمريكا العالم هو سؤال مركزي وجوهري في فهم النظام الدولي الحالي من خلال تفكيك وتحليل أدوات النفوذ والهيمنة التي تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية لبسط تأثيرها على العالم، رغم صعود الصين كعملاق اقتصادي وتقدمها الكبير في المجال العسكري وتحالفها التكتيكي مع روسيا، وبروز فاعل جديد كالهند، لا زالت أمريكا هي صاحبة القرار على الساحة الدولية.
ومن أجل تعميق فهم السؤال، بطرح سؤال ثانٍ: فيما تختلف أمريكا عن باقي القوى الكبرى؟ بمعنى، ماذا يوجد عند أمريكا ويغيب عند الآخرون؟
عنصر تبعية الدول لأمريكا: شبكة النفوذ المعقدة
بعد الحرب العالمية الثانية، عملت أمريكا على خلق نظام من التبعية هي محوره والفاعل الأساسي فيه، من خلال بناء وتصميم نظام دولي قائم على المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، صندوق النقد الدولي، منظمة التجارة العالمية…) بقواعد لعبة تضمن لها استدامة التبعية لها.
أمريكا لا تحكم العالم بالقوة فقط، وإنما عبر شبكة ضخمة من التبعية المتداخلة والمعقدة، وفي عدة مجالات: الأمنية والعسكرية والمالية والنقدية، بالإضافة إلى التكنولوجية والمعلوماتية، التي تجعل فك الارتباط عنها عملية صعبة ومعقدة ومكلفة للدول.
العديد من الدول تعتمد على الحماية الأمريكية المباشرة مثل دول الخليج واليابان وكوريا الجنوبية ودول الاتحاد الأوروبي عبر حلف الناتو، كما أن مبيعات الأسلحة تفرض الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية وبشكل طويل الأمد، وبالتالي تبعية عسكرية وأمنية.
عملت أمريكا، عبر مؤتمر بريتون وودز، على تأسيس تبعية مالية ونقدية في يوليو من 1945 من خلال النظام المالي الدولي الذي جعل من الدولار العملة الاحتياطية العالمية، وبالتالي ربط الاقتصادات الوطنية للدول بالسياسات المالية الأمريكية، وإنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذان غالباً ما يفرضان شروطاً وإصلاحات تلائم قالب الرؤية الأمريكية.
كما أن معظم الدول تعتمد على التكنولوجيا الأمريكية بشكل كبير، من حيث البنية التحتية الرقمية أو الأمن السيبراني أو الذكاء الصناعي ومواقع التواصل الاجتماعي، وكلها تخضع لنفوذها بشكل مباشر أو غير مباشر عبر شركات أمريكية (Microsoft، Google، Meta)، والتي تخول لها قوة ناعمة هائلة في صناعة الرأي العام الدولي.
أما على المستوى السياسي، فبعد استنفاد دبلوماسية الطيبوبة، فالرد العسكري والسياسي يجعل كل محاولة للتمرد مكلفة، كما حدث في العراق وغيرها من الدول.
الصين بين القوة الاقتصادية وعجز التأثير السياسي
رغم نجاح الصين في خلق اقتصاد عالمي عملاق، لم يُترجم لحد الساعة إلى تأثير جيوسياسي فعال ومؤثر في الساحة الدولية، رغم محاولة مشروع الحزام والطريق، الذي ظل في إطار شراكات يغلب عليها طابع الحذر وضمان التوازن مع أمريكا، ومحدودية انخراط الدول معها في إنشاء مؤسسات دولية موازية مثل البنك الآسيوي للاستثمار، وقبلها منظمة شنغهاي للتعاون، فإن الصين لم تستطع تقديم بديل أو قائد جديد للنظام العالمي، وهي تعي كل هذه التحديات وتشتغل بأهداف طويلة الأمد في مساحة النفوذ الاقتصادي والتغلغل الصامت.
روسيا قوة معرقل لا مشروع بديل
رغم القوة العسكرية والترسانة النووية الضخمة، وبحكم أنها عضو دائم بمجلس الأمن، لكنها تعرف محدودية كبيرة في تطورها في المجال الاقتصادي والتكنولوجي مقارنة بأمريكا والصين، كما أن تحالفها مع الصين تكتيكي وليس استراتيجياً، وبالتالي يبقى دورها معرقلاً للمحاولات الهيمنية الأمريكية والصينية، وغير قادرة على خلق نظام عالمي جديد أو حتى قيادة قطب مستقل.
الهند قطب طموح في مفترق الطرق
رغم توفرها على قدرة بشرية هائلة ونمو اقتصادي سريع وتطور ملموس في مجال التكنولوجيا، تبحث عن تموقع استراتيجي مستقل (القطب الثالث)، بشراكة مع أمريكا بدون تبعية، وشراكة مع الصين بدون اصطدام.
لكن طموحها يعرف العديد من التحديات على مستوى البنية التحتية والتفاوتات المجالية والاجتماعية داخلياً، والافتقار إلى القوة الناعمة الواسعة على المستوى الدولي. وبالتالي، الهند غير تابعة لأحد، لكنها لا تتوفر على شروط القيادة بعد.
نحو تعددية شكلية… أم نظام عالمي جديد
نظريًا، يمكن كسر منظومة التبعية الأمريكية، لكن الواقع يكشف عن مرحلة انتقالية عسيرة، بين من يسعى للحفاظ على الوضع القائم، ومن يعمل على تغييره، ومن يحاول تعزيز تموقعه داخله. ورغم أن العالم يتغير، إلا أن ليس كل تغيير يعني تحولًا جوهريًا، مما يدفع إلى التساؤل:هل نحن أمام تعددية شكلية بزعيم مهيمن؟ أم أن النظام الدولي مقبل على ولادة توازن جديد أكثر عدالة وإنسانية؟ أم أننا فقط بصدد إعادة إنتاج الهيمنة بصيغة أخرى؟
محمد مسيح طالب باحث بماستر السياسة الدولية و الدبلوماسية و الرقمنة بكلية الحقوق بتطوان

