متابعة محمد العربي اطريبش
شهدت مدينة فاس انهيار عمارتين سكنيتين بشكل مفاجئ في حادث مأساوي زلزل الرأي العام وأعاد طرح أسئلة محرجة حول منظومة المراقبة وجودة التعمير والمسؤولية الإدارية التي قد تطال كبار المسؤولين وفي مقدمتهم والي الجهة.
يقول مسؤولون سابقون إن أكثر اتصال يُخيف الولاة أو العمال أو أي مسؤولون ترابيون ليس المتعلق بالزيارات الرسمية أو القرارات الحكومية الطارئة بل ذاك الهاتف الليلي الذي يخبرهم بسقوط مسكن على رؤوس ساكنيه. ففاس المدينة العتيقة وواحدة من أكثر الحواضر المغربية هشاشة عمرانياً في بعض قطاعاتها، لطالما عاشت على وقع هذا الهاجس خاصة في مواسم الشتاء.
لكن الفاجعة الأخيرة كانت مختلفة تماما فقد جاء الاتصال الذي رنّ في هاتف الوالي خالد آيت الطالب ليخبره أن ما سقط لم يكن منزلاً قديماً ولا بناية مهترئة في أزقة المدينة العتيقة بل عمارتين شيدتا بقدرة “الفساد” وغفلة “ عن أعين المقدمية ”، بعدما كانتا في الأصل مجرد منزلين بسيطين.
جذير بالذكر أن الحي الذي شهد الانهيار ليس ضمن المناطق المعروفة بتقادم بنيتها بل هو حي حديث نسبياً بدأ التعمير فيه سنة 2006. والمفترض في هكذا أحياء أن يكون البناء متيناً، والبنية الهندسية مطابقة لدفاتر التحملات فضلا عن المراقبة الصارمة في أعلى مستوياتها.
غير أن الواقع كشف العكس منزلان تحولا بقدرة قادر إلى عمارتين بتواطؤ صامت وبأنظمة مراقبة سمحت أو غضّت الطرف عن خروقات خطيرة، انتهت اليوم بانهيار مأساوي كان يمكن أن يمتد إلى كارثة إنسانية أكبر.

المعطيات المتوفرة تشير إلى أن النموذج المخالف الذي أدى إلى انهيار العمارتين ليس حالة معزولة فهناك بنايات أخرى شُيّدت بالطريقة نفسها وربما بنفس مستوى الغش الهندسي، مما يجعل الخطر ممتداً وغير محصور في الواقعتين.
هذا يُعيد طرح السؤال المركزي: هل كانت لجان المراقبة تقوم بمهامها فعلاً؟ ومن سمح بتمرير هذه المخالفات؟

السؤال الذي بدأ يتردد بقوة داخل أروقة فاس هو ما إذا كان هذا الحادث قد يجرّ إلى إعفاء الوالي خالد آيت الطالب، خاصة وأن وزارة الداخلية تشدد في السنوات الأخيرة على ربط المسؤولية بالمحاسبة في كل ما يتعلق بسلامة المواطنين والمجال العمراني.
مصادر متطابقة تشير إلى أن لجاناً مركزية قد تُوفَد إلى فاس للوقوف على تفاصيل الفاجعة وتحديد سلسلة المسؤوليات من القاعدة إلى القمة: هل فشلت مصالح المراقبة في ضبط الخروقات؟ و هل تم التلاعب في الرخص أو ملفات الهندسة؟ وهل كان الوالي على علم بتوسع البناء خارج الضوابط أم لم تُنقل إليه تقارير دقيقة؟
ورغم أن عزل والي ليس خطوة بسيطة إلا أن السياق العام وتكرار الحوادث والضجة التي خلفها الملف، تجعل كل السيناريوهات مطروحة، خاصة إذا ما أثبتت التحقيقات وجود إخلالات بنيوية في منظومة تدبير التعمير بالجهة.
الفاجعة ليست مجرد حادث انهيار مؤسف، بل اختبار صريح لنظام المراقبة والتدبير العمراني في واحدة من أكبر المدن المغربية.
كما أن الساكنة التي تتساءل اليوم عن مدى صلابة منازلها، تنتظر كشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤوليات وتفادي تكرار سيناريوهات دامية تهدد آلاف الأسر.

