متابعة تطوان44
في ظل تغير توازنات القوى العالمية وتراجع الخطابات الإيديولوجية التقليدية لصالح المصالح الاستراتيجية، بدأت دول إفريقية عديدة تعيد النظر في سياساتها الخارجية، خصوصاً إزاء القضايا الإقليمية الكبرى مثل ملف الصحراء المغربية. فلم تعد هذه القضية تُفهم في إطار النزاع الكلاسيكي، بل باتت تُدرَس من خلال منظور المصالح المشتركة والتحولات الجيوسياسية التي تفرض على الدول البحث عن شركاء فاعلين يلبّون طموحاتها التنموية.
في هذا السياق، يعكس الموقف الجديد لجمهورية كينيا، بدعمها لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، تحوّلًا لافتًا في مواقف بعض الدول الإفريقية، التي كانت تُصنّف سابقًا ضمن داعمي الطرح الانفصالي. ويُعد هذا التحوّل مؤشرًا على توجه عام نحو نهج سياسي أكثر واقعية وانفتاحًا، مدفوعًا برغبة في تجاوز الإرث الإيديولوجي الذي كبّل القرار الإفريقي لعقود طويلة.
انعكاسات الحضور المغربي في إفريقيا
يعتبر محمد الغيث ماء العينين، عضو المركز الدولي للدبلوماسية وحوار الحضارات، أن مراجعة كينيا لموقفها من النزاع الإقليمي تتماشى مع تغيّر المواقف الدولية والإدراك المتزايد بصعوبة تحقيق الحل الانفصالي. ويرى أن المغرب، من خلال انخراطه الفاعل في القارة الإفريقية، استطاع أن يُعيد تشكيل علاقاته مع دول كانت متأثرة بالبروباغندا المعادية، مثل الجزائر وجنوب إفريقيا.
وأشار ماء العينين إلى أن المغرب بنى علاقاته الإفريقية على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وخاصة بعد عودته إلى الاتحاد الإفريقي. هذا التوجه مكّنه من كسب ثقة العديد من الدول، حتى تلك التي كانت متحفظة تجاه قضاياه الوطنية.
كما لفت إلى أن النموذج المغربي في التعاون مع إفريقيا، والذي شدد عليه الملك محمد السادس مرارًا، يقوم على مبدأ الشراكة المتوازنة بدل العلاقات القائمة على الإملاء أو الإعانات. وهو نموذج يجد صدى واسعًا في قارة تبحث اليوم عن فرص استثمار وتنمية وليس عن مساعدات ظرفية.
السياسات الواقعية تفرض نفسها
من جانبه، يرى محمد عطيف، أستاذ العلاقات الدولية، أن التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تعرفها إفريقيا تدفع الدول إلى مراجعة مواقفها التقليدية وتبني مقاربات أكثر براغماتية في إدارة علاقاتها الخارجية. وأشار إلى أن الموقف الكيني يعكس هذا التوجه، حيث تسعى نيروبي إلى تعزيز مكانتها الإقليمية والاستفادة من الشراكات الاقتصادية مع قوى مؤثرة مثل المغرب.
وبحسب عطيف، فإن الدول الإفريقية لم تعد تعتبر الخطاب التحرري أساسًا للشرعية السياسية، بل أصبحت تقيس نجاعتها بقدرتها على تحقيق النمو وجذب الاستثمارات. وتابع أن التوجه المغربي، المرتكز على الاستثمار والانفتاح الدبلوماسي، يتيح فرصًا ملموسة للدول الساعية إلى تحقيق اندماج اقتصادي أكبر في القارة.
بين تحديات التكتل ومصالح الأفراد
ورغم هذه الدينامية الجديدة، يقرّ عطيف بوجود تحديات قد تفرزها البراغماتية المتزايدة في السياسة الإفريقية، من بينها صعوبة توحيد المواقف داخل الاتحاد الإفريقي إزاء الملفات الكبرى، وازدياد قابلية المؤسسات القارية للتأثر بالضغوط الخارجية. كما حذّر من أن تغليب المصالح القُطرية قد يُضعف من قدرة القارة على التفاوض الموحد مع الشركاء الدوليين.
لكنه أكد في المقابل أن التغلب على هذه الإشكالات ممكن من خلال تنسيق المصالح الوطنية ضمن رؤية تكاملية شاملة، تضمن لكل دولة تحقيق مصالحها دون تقويض أسس العمل الجماعي الإفريقي.

